شهدت الساحة الثقافية المغربية صدور عمل علمي جديد يعيد إحياء نص رحلي ذي قيمة تاريخية وأدبية بارزة، يحمل عنوان “ثلاثة أشهر في أوروبا” للرحالة والمؤرخ المصري محمد وهبي، في تحقيق ودراسة أنجزته الباحثة حفصة أعبود، وصدر عن دار الإحياء للنشر والتوزيع. ويستمد هذا العمل أهميته من كونه يستند إلى نصوص أصلية نُشرت سنة 1940 في جريدة “الوحدة المغربية”، لسان حال حزب الوحدة المغربي، ما يمنحه بعدًا توثيقيًا يرتبط بسياق سياسي وثقافي دقيق.
يندرج هذا المتن ضمن أدبيات الرحلة العربية الحديثة، حيث يوثق تجربة أحد الأساتذة المصريين الذين استقدمهم المكي الناصري إلى المعهد الخليفي بتطوان، في إطار مشروع إصلاحي سعى إلى تعزيز التعليم وبناء نخب علمية منفتحة. وقد حمل محمد وهبي معه تصورًا نهضويًا يتقاطع فيه البعد المصري مع الأفق المغربي، في لحظة تاريخية اتسمت بتفاعل معقد بين الاستعمار الإسباني وحركية النخبة المحلية.
تكمن القيمة العلمية للنص في قدرته على تجاوز الوصف السطحي للرحلة، نحو بناء قراءة تحليلية للحضارة الأوروبية، من خلال رصد ملامح التنظيم العمراني والبنى الاجتماعية والسياسية في كل من إسبانيا وفرنسا. ويعتمد الكاتب، في هذا السياق، مقاربة قريبة من مفهوم “المثقف العضوي”، حيث يمزج بين الملاحظة الدقيقة والتأمل النقدي، مستعينًا بتجربته الميدانية رفقة رفيقه “بيكار”، لاستنطاق الفضاءات الثقافية، وعلى رأسها المتاحف الفنية، واستحضار دلالاتها الحضارية.
ولا تقف الرحلة عند حدود الإعجاب بالمنجز الأوروبي، بل تنفتح على لحظات تاريخية مفصلية، من قبيل احتفالات عيد النصر في فرنسا، وإسبانيا الخارجة لتوها من أتون الحرب الأهلية، مما يضفي على النص بعدًا تاريخيًا حيًا يعكس تحولات أوروبا في سياق الحرب العالمية الثانية. وهنا تتجلى مفارقة مركزية في النص، تتمثل في التوتر بين الانبهار بالحداثة الغربية والرغبة في مساءلتها نقديًا.
إلى جانب ذلك، يقدم العمل مادة وصفية غنية حول مدن الشمال المغربي، من قبيل تطوان وشفشاون وسبتة ومليلية، في فترة الحماية الإسبانية، وهو ما يمنح الباحثين معطيات نادرة حول الجغرافيا الحضرية والثقافية للمنطقة الخليفية، من منظور مثقف عربي وافد. كما يتيح النص فهمًا أعمق للعلاقة بين الفضاء التعليمي في المعهد الخليفي ومشروع الانفتاح على التجارب الأوروبية.
ويمثل هذا الإصدار إضافة نوعية إلى خزانة الرحلة العربية، إذ يعيد إدماج نص ظل حبيس الأرشيف الصحفي داخل دائرة التداول الأكاديمي، بفضل جهد التحقيق الذي أنجزته الباحثة حفصة أعبود، والذي أتاح إخراج النص في صيغة علمية رصينة، تستجيب لمتطلبات البحث التاريخي والنقدي.
وبذلك، لا يقتصر هذا العمل على كونه إعادة نشر لنص قديم، بل يشكل مدخلًا لفهم ديناميات التبادل الثقافي والفكري بين المغرب وأوروبا خلال فترة دقيقة من تاريخهما المشترك، ويعيد طرح سؤال الحداثة من داخل تجربة رحلية تجمع بين الرصد والتأويل.


تعليقات الزوار ( 0 )