في سياق إفريقي بالغ الحساسية، وأمام أكثر من 300 شخصية تمثل دول القارة إلى جانب مشاركين من أوروبا وأمريكا وآسيا، وجّه الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، تحذيرا صريحا بشأن التحديات العميقة التي تواجه الدولة الوطنية في إفريقيا. جاء ذلك خلال كلمته في المؤتمر الإفريقي للسلم المنعقد يوم الأربعاء 13 فبراير، برعاية فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبرئاسة العلامة عبد الله بن بيه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم.
وأكد بشاري أن القارة لا تواجه ظواهر معزولة، بل مسارًا متشابكا تتداخل فيه الشعبويات والنزعات الانفصالية والحركات الاحتجاجية العابرة للحدود، بما يفرض ضغوطًا غير مسبوقة على مفهوم الدولة الجامعة. وأشار إلى أن إفريقيا، التي يشكل الشباب نحو 60% من سكانها وفق تقديرات الأمم المتحدة لعام 2024، تمتلك قوة ديموغرافية واعدة، غير أن تحديات البطالة والتفاوت التنموي قد تحول هذه الطاقة إلى بيئة خصبة لخطابات الغضب والتفكك.
وفي طرحه، ميّز بشاري بين التعدد باعتباره مصدر غنى حضاري، وبين استغلال الخصوصيات اللغوية أو العرقية أو الدينية لمنازعة شرعية الدولة. وأوضح أن الدولة الإفريقية الحديثة، رغم نشأتها في سياقات تاريخية معقدة، تبقى الإطار القانوني الأقدر على صون التنوع، شريطة تجديد عقدها الوطني على أسس العدالة والمشاركة. أما تحويل المظالم التنموية إلى مشاريع انفصال، فيمثل، بحسب وصفه، انتقالا من مطلب الإصلاح إلى منطق التفكيك.
كما دعا إلى تبني صيغ متقدمة من اللامركزية أو الحكم الذاتي المنضبط ضمن إطار السيادة الوطنية، بوصفها آليات حوكمة تعزز الثقة بين المركز والأطراف دون المساس بوحدة الدولة. وحذر من أن غياب مثل هذه المقاربات قد يفتح المجال أمام حركات عابرة للحدود تعيد تعريف الانتماء خارج الدولة، بما يضعف الأمنين الروحي والسياسي.
وختم بشاري بالتأكيد على أن الرهان في إفريقيا اليوم يتجاوز البعد الأمني ليأخذ طابعًا حضاريًا بامتياز: فإما أن تنجح الدولة الوطنية في تجديد مشروعها الجامع واستيعاب طاقات شبابها، أو تفسح المجال لخطابات شعبوية وانفصالية تعيد تشكيل المشهد على إيقاع الاحتقان. والسبيل إلى ذلك، كما خلص، يبدأ بإعادة بناء الثقة، وتجديد العقد الوطني، وترسيخ فكرة الدولة كضامن للسلم وأفق للمستقبل.




تعليقات الزوار ( 0 )