شهد مجلس جماعة الدار البيضاء محطة تنظيمية بارزة بعد المصادقة بالإجماع، خلال دورة فبراير، على مشروع دفتر التحملات الجديد الخاص بتدبير قطاع النظافة والنفايات المنزلية، مرفوقًا بسلسلة تعديلات تقنية وتنظيمية تروم تحديث أساليب التدبير وتعزيز الحكامة.
وهذه الخطوة جاءت في سياق اجتماعات لجنة المرافق العمومية والممتلكات والخدمات، التي ناقشت مختلف الجوانب المرتبطة بالعقد الجديد، في أفق تحسين جودة الخدمات وضمان نجاعة أكبر في التنفيذ والمراقبة.
واعتبر كريم الكلايبي، عضو لجنة تتبع عقود النظافة بمجلس جماعة الدار البيضاء، في تصريح صحفي توصلت جريدة “الشعاع” بنسخة منه، أن المصادقة بالإجماع تمثل “خطوة تاريخية” تعكس وحدة الرؤية داخل المجلس بخصوص أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالحياة اليومية للساكنة.
وأوضح أن المشروع لا يقتصر على كونه عقدًا تقنيًا، بل يمثل تصورًا تدبيريًا متكاملًا قائمًا على الانتقال من منطق تدبير الوسائل إلى منطق الالتزام بالنتائج، بما يضمن نظافة فعلية قابلة للقياس والمحاسبة.
وأشار الكلايبي إلى أن دفتر التحملات يفرض صرامة واضحة في تقييم أداء الشركات المفوض لها، إذ لم يعد التركيز منصبًا على توفير الوسائل فقط، بل على جودة النتائج واحترام آجال التدخل، من بينها جمع النفايات الهامدة والضخمة في مدد زمنية محددة.
ولفت عضو لجنة تتبع عقود النظافة، إلى أن هذا التوجه يهدف إلى إرساء ثقافة جديدة في تدبير القطاع، قوامها ربط المسؤولية بالأداء الميداني.
وأبرز أن المشروع يتضمن مقتضيات غير مسبوقة ترمي إلى إدماج “الملتقطين” المعروفين بالهباشين ضمن منظومة الجمع، عبر آليات تأطير تضمن كرامتهم وتحولهم إلى فاعلين مساهمين في نظافة المدينة.
وأردف أن العقد يتضمن اعتماد حلول تقنية مبتكرة، من بينها نظام تجريبي للفرز من المنبع، ونظام معلوماتي لتتبع الشاحنات وعمليات غسل الحاويات في الزمن الحقيقي، بما يعزز الشفافية ويرفع من مردودية التدخلات.
ويولي دفتر التحملات أهمية خاصة للعدالة المجالية، حيث ينص على برامج عمل تراعي خصوصيات المناطق المختلفة، سواء الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة أو المناطق ذات الطابع العمراني الخاص.
وجرى أيضا تعزيز الدور الرقابي للمنتخبين عبر رفع تمثيليتهم داخل لجان التتبع، بما يضمن مراقبة ميدانية مباشرة لأداء الشركات المفوض لها ويقوي آليات المحاسبة.
والوثائق المرتبطة بالمشروع تكشف أن التعديلات المعتمدة شملت إعادة ضبط عدد من الجوانب الهيكلية، إذ تم اعتماد الكميات الحقيقية للنفايات المسجلة خلال السنوات الأخيرة بدل التقديرات المستقبلية، وتوحيد تعريف النفايات وفق الإطار القانوني المنظم للقطاع.
كما تم إدراج مرافق إضافية ضمن نطاق الخدمات بعد استيفاء الموافقات المطلوبة، وكذا حذف بعض المحاور غير المرتبطة مباشرة بالخدمة الأساسية، مقابل التشديد على احترام المعايير البيئية والتقنية للمركبات والآليات.
وشملت التعديلات أيضًا التنصيص على مبدأ الأفضلية الوطنية في تقييم العروض، وتنظيم محاسبة أملاك الرجوع وجردها بشكل دوري، إضافة إلى ضبط قواعد الاستثمار ومنع اللجوء إلى الكراء لصالح التمويل الذاتي أو القروض، بما يضمن استقرار الأصول المرتبطة بالعقد.
وجرى إقرار مقتضيات واضحة بشأن تحصيل مستحقات كبار منتجي النفايات، وتنظيم عمليات غسل الحاويات، واستثناء النفايات الطبية والصناعية من نطاق الخدمات، فضلًا عن تدقيق المصطلحات التعاقدية لتفادي أي تأويل أثناء التنفيذ.
وامتدت المراجعات إلى الجوانب الاجتماعية والمهنية، عبر إدماج “الهباشين” ضمن فرص الشغل وفق شروط محددة، وإدراج التحفيزات الأجرية ضمن معايير تقييم العروض، مع العمل على توحيد نظام الأجور والتعويضات خلال الفترة الانتقالية.
وأقرت تدابير لحماية التجهيزات العمومية، وتعويض المعدات ببدائل مكافئة أو أعلى جودة، وتنظيم استغلال بعض الوسائل في إطار ضوابط محددة، إلى جانب تحديد قواعد تشغيلية تتعلق بسرعة الآليات، توزيع سلال المهملات، وتدبير الحاويات.
وتعكس هذه المقتضيات، وفق المعطيات المتوفرة، توجهًا نحو إرساء نموذج تدبيري أكثر صرامة يقوم على النتائج والرقابة والبعد الاجتماعي، مع إدخال أدوات تقنية وقانونية تهدف إلى الحد من الاختلالات وتعزيز الشفافية.
وبين الرؤية المعلنة والتعديلات التنظيمية، يبدو أن قطاع النظافة مقبل على مرحلة جديدة تسعى إلى تحقيق توازن بين جودة الخدمة، وحماية المرفق العمومي، والاستجابة لانتظارات ساكنة الدار البيضاء في بيئة حضرية أكثر انتظامًا.



تعليقات الزوار ( 0 )