أبرزت مجلة “أتالايار” الإسبانية الخطوط العريضة للنص الموسّع المرتبط بمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لتسوية قضية الصحراء، وهو نص تقني يمتد لنحو أربعين صفحة، صيغ بتنسيق بين مستشارين ملكيين وبتوجيه مباشر من الملك محمد السادس، في سياق دبلوماسي أعقب تأكيد مجلس الأمن على مركزية خيار الحكم الذاتي باعتباره أرضية جدية وواقعية للحل.
وهذا التقرير يشير إلى أن الوثيقة الجديدة لا تقدم كمجرد إعلان سياسي، بل كتصور مؤسساتي متكامل يحدد البنية القانونية، وتوزيع السلطات، والضمانات السيادية، وآليات الانتقال والتنفيذ، مع استلهام تجارب دولية ناجحة وتكييفها مع الإطار الدستوري المغربي.
والمادة التالية تستعرض أبرز محاور هذا التصور كما قدمتها المجلة، ضمن قراءة صحفية تحليلية تبرز أبعاده القانونية والمؤسساتية والسياسية.
#POLÍTICA | Los detalles completos del Plan de Autonomía marroquí para el #Sáhara
Por Javier Fernández Arribashttps://t.co/91i7IB2e6K
— Atalayar (@Atalayar_) February 11, 2026
-الأساس القانوني
الوثيقة تعيد صياغة روح مبادرة 2007 في قالب قانوني دقيق، عبر مواد منظمة تتضمن تعريفات تفسيرية وأحكام انتقالية وآليات رقابة دستورية.
وهذا البناء يمنح المشروع طبيعة نظام أساسي عضوي أقرب إلى أنظمة الحكم الذاتي الأوروبية، بدل أن يكون مجرد التزام سياسي.
وتوزيع الاختصاصات يعتمد تقنية مزدوجة، قائمة حصرية لاختصاصات الدولة المركزية، وأخرى مفصلة لصلاحيات الجهة، مع قاعدة فرعية تبقي أي اختصاص غير منصوص عليه ضمن المجال الوطني ما لم يتفق على غير ذلك، حيث إن هذا التصميم يهدف إلى منع التداخل المؤسسي وضمان وضوح المسؤوليات.
كما يكرس النص مبدأ “الولاء الدستوري”، بما يعني أن ممارسة السلطات الجهوية تتم داخل وحدة الدولة وتضامنها، ويتضمن أيضاً بند حماية يسمح بتدخل استثنائي ومؤقت للدولة إذا تعرض النظام الدستوري أو الوحدة الترابية لتهديد خطير، وفق مسطرة قانونية مضبوطة.
-السلطة التشريعية
يقترح النموذج برلماناً جهوياً بغرفة واحدة، يجمع بين الشرعية الانتخابية المباشرة والتمثيل القبلي الصحراوي وفق قواعد تنظيمية محددة، والهدف هو المزاوجة بين التمثيل الديمقراطي والخصوصية الاجتماعية للمنطقة.
والنص ينص على ضمان تمثيلية نسائية إلزامية، مع آليات تحقق لضمان التطبيق الفعلي، كما يتمتع البرلمان بسلطة تشريعية كاملة في مجالات اختصاصه، بما في ذلك إصدار قوانين تنظيمية جهوية بأغلبية معززة لضمان الاستقرار.
ويمتد الحضور السياسي للمنطقة إلى البرلمان الوطني، بما يرسخ مشاركتها في القرار السيادي، ويستحدث مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي جهوي بصفة استشارية، يضم فاعلين مهنيين ومجتمعيين، مع إلزامية تقديم تقارير دورية حول السياسات المالية.
-السلطة التنفيذية
يقود الجهاز التنفيذي رئيس حكومة جهوي يتم تنصيبه وفق آلية مؤسساتية تضمن الانسجام مع النظام الدستوري، وهذه النقطة تشكل أحد محاور النقاش السياسي، إذ ترتبط بمسألة مصدر الشرعية التنفيذية وحدودها داخل الدولة الموحدة.
ورئيس الحكومة الجهوي يمارس سلطة تنظيمية، ويشرف على الإدارة الجهوية، وله حق المبادرة التشريعية ضمن اختصاصاته، كما يمكن مساءلة الجهاز التنفيذي عبر آلية ملتمس رقابة بَناء يفرض اقتراح بديل.
ويؤدي المسؤول التنفيذي أيضاً دور حلقة وصل مع الدولة، بما يحافظ على الترابط المؤسسي بين الحكم الذاتي والسيادة الوطنية.
-التنظيم القضائي
يقيم المشروع منظومة قضائية جهوية تشمل محاكم ابتدائية واستئنافية تطبق القوانين الجهوية باسم الملك، كما ينشأ مستوى قضائي أعلى مختص بالنزاعات المرتبطة بالتشريع الجهوي، مع بقاء الرقابة الدستورية وطنية.
ولتفادي تضارب الاختصاص، تعتمد آلية تشاور مسبق داخل لجنة مشتركة قبل اللجوء للقضاء الدستوري، كما يسمح النظام بإحالة النزاعات المعيارية إلى المحكمة العليا لضمان وحدة التأويل القانوني.
وهذا البناء يهدف إلى تحقيق استقلال وظيفي للعدالة الجهوية دون المساس بوحدة النظام القضائي الوطني.
-النظام المالي
التمويل الجهوي يقوم على موارد ذاتية تشمل ضرائب ترابية وعائدات استغلال الموارد الطبيعية وحصة من المداخيل الوطنية المتولدة داخل الإقليم، ويرافق ذلك نظام انضباط مالي لتفادي اختلالات الميزانية.
ويكرس النص مبدأ التضامن المالي عبر مساهمة الجهة في الميزانية العامة واستفادتها من صندوق توازني يخضع لرقابة قضائية مالية، ويتم تأطير استغلال الأراضي الجماعية والمشاريع الاستراتيجية بقواعد قانونية دقيقة.
والاستثمارات الأجنبية تخضع لموافقة مزدوجة جهوية ووطنية، في إطار حماية السيادة الاقتصادية وضمان انسجام المشاريع مع التوجهات الاستراتيجية للدولة.
-المصالحة والانتقال
يتضمن المشروع ترتيبات خاصة بمشاركة سكان مخيمات تندوف، تشمل التسجيل والتحقق من الهوية، ويحدث جهاز دائم لتنظيم العودة، مزود بإجراءات مراجعة وطعن لضمان الشفافية.
كما ينص على برنامج انتقال يشمل نزع السلاح وإعادة الإدماج، مقروناً بعفو منظم يستثني الجرائم الخطيرة وفق القانون الدولي، والهدف هو خلق بيئة استقرار تسمح باندماج اجتماعي ومؤسساتي سلس.
وتعكس هذه المقاربة بعداً إنسانياً وسياسياً يسعى لتجاوز إرث النزاع وطي صفحة الخلافات، وإقرار بداية جديدة تطوي نزاعات الأمس.
-الإدماج الدستوري
المصادقة على النظام تتم عبر استفتاء وطني، يعقبه إدماجه في الدستور ضمن باب خاص محصن بإجراءات تعديل مشددة. أي مراجعة لاحقة تتطلب أغلبية معززة وطنياً وجهوياً.
ويرتبط تفعيل النظام بمسار الجهوية المتقدمة على الصعيد الوطني، تفادياً لخلق تمييز ترابي، وهذا الربط يعزز مبدأ المساواة بين الجهات داخل الدولة.
والنص الذي تم طرحه في مدريد، يهدف إلى إرساء استقرار قانوني طويل الأمد يحول دون التأويلات الانفصالية.
-الهوية والسيادة
الرموز الوطنية تبقى حصراً بيد الدولة، بينما تعترف الهوية الحسانية كمكون من التراث الوطني مع إنشاء مؤسسة جهوية لحمايتها، وهذا التوازن يجمع بين الخصوصية الثقافية والوحدة الرمزية.
وقوات الأمن الجهوية تقتصر على مهام الشرطة المحلية بتنسيق وطني، ولا يسمح بأي دبلوماسية موازية، والتعاون الدولي يتم عبر قنوات الدولة.
كما يؤكد المشروع عدم خضوع النظام لأي وصاية خارجية، مع جدول تنفيذ مرحلي يضمن انتقالاً منظماً.
-التنفيذ والمتابعة
يعتمد النظام آلية تقييم دورية كل خمس سنوات لقياس الأداء وإدخال التحسينات. ويتضمن بنداً يمنع أي تفسير قد يفضي إلى الانفصال، مؤكداً الطابع النهائي للوحدة الترابية.
وتشارك الجهة في الاستراتيجية الأطلسية والإفريقية للمملكة ضمن تنسيق مركزي، ما يعزز بعدها التنموي والجيوسياسي.
والتصور العام، وفق قراءة المجلة، يستلهم نماذج دولية ناجحة، خاصة التجارب الإسبانية وغرينلاند، مع تكييفها مع الخصوصية الدستورية المغربية، إضافة إلى تأثير المدرسة الدستورية الفرنسية في إدماج الاتفاقيات السياسية ضمن الهرم القانوني.




تعليقات الزوار ( 0 )