لم يكن حديث الملك محمد السادس عن “مخططات معادية” و”محاولات للتشهير والنيل من المصداقية” في بلاغ الديوان الملكي، الصادر عقب اختتام الدورة الـ35 لكأس إفريقيا للأمم، مجرد رد فعل عاطفي على أحداث ظرفية رافقت نهاية البطولة، بل رسالة سياسية محسوبة بدقة، تنسجم مع تقاليد راسخة في هندسة الخطاب الملكي المغربي، وتؤشر على وعي مؤسساتي بطبيعة التحولات الجارية داخل القارة الإفريقية.
هذا ما يؤكده هشام معتضد، المحلل المغربي الكندي المختص في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، الذي يرى أن الزاوية الأخيرة من البلاغ الملكي “لا يمكن قراءتها بوصفها دفاعا أو إعلان مواجهة، بل باعتبارها وضع إطار تفسيري لما يجري، ومنح الرأي العام بوصلة لفهم الأحداث خارج منطق الصدفة أو الانفعال”.
وفي حديث مع جريدة “الشعاع الجديد” يرى معتضد، أن استعمال المؤسسة الملكية لمفهوم “المخططات المعادية” ليس اعتباطيا ولا عاما، إذ لا يستهدف الشعوب الإفريقية ولا الرأي العام داخل القارة، بل “شبكات مصالح سياسية وإعلامية محددة ترى في الصعود المغربي تهديداً مباشرا لأدوارها التقليدية أو لمشاريعها المتعثرة”.
ويضيف المتحدث أن هذه الأطراف “تدرك أن خسارتها أمام المغرب ليست رمزية أو رياضية، بل جيوسياسية واقتصادية، مرتبطة بإعادة تموقع المملكة كقوة إفريقية صاعدة، تعتمد مقاربة تجمع بين الاستثمار، والاستقرار، وبناء الشراكات طويلة المدى”.
البلاغ الملكي، في نظر المحلل المغربي الكندي، يضع حملات التشهير ضمن سياق أوسع، هو سياق صراع السرديات داخل إفريقيا.
فالمغرب، بحسبه، راكم خلال السنوات الأخيرة، رأسمالا معنويا مهما بفضل حضوره البنكي، واستثماراته الكبرى، وتعاونه الديني والأمني، وهو ما جعل صورته داخل القارة تشكل عنصر قوة ناعمة يصعب تحييده بوسائل تقليدية.
ويشير معتضد إلى أن “ما يستهدف اليوم ليس حادثا بعينه، ولا مباراة كرة قدم، بل النموذج المغربي نفسه: نموذج الاستقرار السياسي، والشرعية التاريخية، والانخراط الإفريقي العملي، وهو نموذج يزعج أطرافا فشلت في تقديم بديل مقنع داخل القارة”.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في البلاغ، وفق المتحدث ذاته، غياب أي تسمية مباشرة للأطراف المعادية، وهو ما يعتبره خيارا واعيا في هندسة الخطاب الملكي. فعدم التسمية، كما يقول، “يسحب من هذه الجهات شرعية المواجهة العلنية، ويمنع تحويلها إلى خصم سياسي مكافئ”.
وفي منطق القصر، يضيف معتضد، “بعض الخصومات تدار بالصمت الاستراتيجي، مع الاكتفاء بتأكيد الثقة في الذات وفي المسار العام للدولة، بدل الانجرار إلى سجالات إعلامية عابرة”.
حين يؤكد الملك محمد السادس أن هذه المخططات “لن تبلغ أبدا مرادها”، فإن ذلك، بحسب التحليل، لا يستند إلى خطاب تطميني فقط، بل إلى قراءة واقعية لميزان القوى داخل القارة الإفريقية.
فشبكة الشراكات التي بناها المغرب، وروابطه التاريخية، ومصالحه المتبادلة مع عدد متزايد من الدول الإفريقية، تشكل، وفق معتضد، “درعا سياسيا أقوى من أي حملة تشويه ظرفية”.
ويخلص هشام معتضد إلى أن حديث الملك عن “المخططات المعادية” “ليس إعلان قلق، بل تعبير عن موقع قوة، واطمئنان مؤسساتي طويل النفس، يراهن على الفعل المتراكم لا على الضجيج، وعلى إفريقيا كشراكة مستقبل لا كساحة صراع عابر”.
وذكر بلاغ الديوان الملكي، أنه و”في أعقاب الدورة الـ 35 لكأس إفريقيا للأمم، التي استضافتها المملكة المغربية في أجواء حماسية من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026، يعرب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، عن عميق شكره لكافة مكونات الأمة التي ساهمت بشكل رائع في النجاح الكبير لهذه التظاهرة المتميزة”.
ويحرص صاحب الجلالة، بالخصوص، على تهنئة كافة المواطنين عبر مختلف مدن المملكة على الجهود المبذولة، والتعبير عن شكره لكل فرد على مساهمته القيمة في هذا النجاح التاريخي الذي حظي باعتراف وإشادة العالم أجمع.
كما يوجه جلالة الملك، أعزه الله، عبارات التنويه إلى ملايين المغاربة، نساء ورجالا وأطفالا، الذين لم يتوانوا، كل بطريقته ودوما بشكل نموذجي، عن دعم منتخبهم الوطني، الذي بات يحتل المرتبة الثامنة في التصنيف العالمي. هذه النتيجة المتميزة هي بالخصوص ثمرة سياسة إرادية، عالية الطموح، على المستوى الرياضي وفي مجال البنيات التحتية، وكذا الاختيار النابع من الروح الوطنية المتجذرة لأبناء موهوبين من مغاربة العالم بحمل قميص الفريق الوطني والدفاع عن ألوانه بكل فخر واعتزاز.
وستظل هذه الدورة محطة بارزة في تاريخ المنافسة القارية، إذ أنها، فضلا عن نتائجها الرياضية الممتازة، مكنت من قياس الطفرة النوعية التي حققتها المملكة على طريق التنمية والتقدم، بفضل رؤية بعيدة المدى ونموذج مغربي متفرد وفعال يضع المواطن في صلب كل الطموحات.
وإذا كان هذا الحفل الكروي القاري الكبير الذي احتضنته المملكة قد شابته الأحداث المؤسفة التي شهدتها الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية لهذه البطولة التي جمعت الفريقين المغربي والسنغالي، والتي تم خلالها تسجيل وقائع وتصرفات مشينة؛ فإنه بمجرد أن تتراجع حدة الانفعال والعواطف ستنتصر روابط الأخوة الإفريقية بشكل طبيعي؛ حيث إن هذا النجاح المغربي هو أيضا نجاح لإفريقيا كلها. وسيظل المغرب فخورا بكونه قدم على أرضه شهرا من الفرح الشعبي والحماس الرياضي، وساهم بذلك في إشعاع إفريقيا وكرة القدم بالقارة.
ومن جهة أخرى، وإزاء التشهير وبعض محاولات النيل من المصداقية، فإن صاحب الجلالة الملك، نصره الله، يظل على اقتناع بأن المخططات المعادية لن تبلغ أبدا مرادها، وأن الشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور، ولن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة. فلا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية، ولا بالتعاون المثمر القائم بين مختلف بلدان القارة والذي ما فتئ يتعزز بشراكات أكثر طموحا.
إن المملكة المغربية كانت وستظل بلدا إفريقيا كبيرا وفيا لروح الاخوة والتضامن والاحترام الذي كرسه على الدوام تجاه قارته.
وطبقا للرؤية المتبصرة لجلالة الملك، فإن المغرب سيواصل التزامه الراسخ والثابت لفائدة إفريقيا موحدة ومزدهرة، لاسيما عبر التقاسم المشترك لتجاربه وخبرته ومهاراته”.




تعليقات الزوار ( 0 )