للشيعة حضور قوي في الأدبيات السنية المعاصرة، سواء في حرب 2006 بين حزب الله ذي الخلفية الشيعية وإسرائيل المدعومة سرا بأنظمة سنية حينذاك، أو في الحروب الموالية التي خاضها الحزب مع الكيان الصهيوني والتي عرفت استشهاد القائد الكبير السيد حسن نصر الله قدس الله روحه، مرورا بحوادث أخرى كاغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني رحمه الله، أو شكر الشهيد السعيد إسماعيل هنية رحمه الله لإيران والترحم على قائدها سليماني، إضافة إلى الحرب بين إيران والتحالف الأمريكي الصهيوني في صيف 2025
وقد صدرت بالموازاة مع هذه الحروب فتاوى ومنشورات ومقالات وأشرطة لو جُمعت لكونت ذخيرة “كلامية” معاصرة، بعضها يقتات على الموتى ويعيش خلف أسوار الماضي، وبعضها يتعامل مع الأحداث بحس نقدي وباجتهاد يتشابك مع الواقع مستشرفا المستقبل الحضاري للأمة.
واستُأنفت هذه الثورة “الكلامية” مؤخرا بعد استشهاد القائد الكبير السيد علي خامنئي قدس الله روحه في أول يوم من الهجوم غير القانوني للتحالف الصهيوني الأمريكي على إيران، حيث صدرت منشورات، بعضها بعنوان: هل يجوز الترحم على الرجل؟ وبعضها يرميه عن قوس واحدة في ساحة الكفر، وبعضها يستدرج السذج بعناوين جاذبة مثل توصيف الحرب بكونها [كلاسيكو بين الكفار] لا يعنينا شأنها، وبعضها يتقمص جلباب الاعتدال ويقول بأن هذه الحرب لا تعنينا ولا نؤيد أي طرف فيها، إلخ. وغالب هذه المنشورات صادرة عن الذباب الإلكتروني المؤطر مخابراتيا، ويتأثر بها بعض السذج والسطحيين والعاطفيين.
فما وجه الصواب في المسألة؟
أولا: السيد علي الخامنئي والسيد حسن نصر الله ومن على مذهبهما مؤمنون موحدون ينتسبون إلى مذهب من مذاهب المسلمين، ولا يقول بكفر الشيعة إلا تكفيري متطرف إقصائي، والتطرف لا يأتي بخير.
ثانيا: الهجوم العسكري على إيران اليوم ليست له أدنى شرعية، وهو مخالف للقانون الدولي، ومخالف للقانون الأمريكي، لأن الرئيس ترمب لم يأخذ تفويضا من الكونغريس، ولم يأخذ تفويضا من مجلس الأمن، وبالتالي فهو عدوان، والطرف الإيراني مظلوم بمنطوق المواثيق الدولية، ونصرة المظلوم من شُعب الإيمان، ومن قيم الإسلام، ولو كانت إيران دولة كافرة [وهي ليست كذلك]، لوجب التضامن معها ودعمها قولا واحدا، لأنه ليس مفروضا على المسلم ألا يدعم ولا يتضامن إلا مع من يوافقه في الدين والمذهب، والإسلام المحمدي الأصيل يتبنى هذا، يؤيد ذلك ويعضده ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حين تذكر حلف الفضول وعبر عن رغبته في الانضمام إليه إن دعي إليه في الإسلام.
ثالثا: الإسلام القرآني الأصيل يفرض على المسلم أن ينفتح في الأفق الحضاري بعيدا عن الاصطفافات المذهبية الضيقة، حيث اعتبر الإسلامُ القرآني المِيتَامَذْهَبي انتصارَ الروم النصارى على الفرس المجوس نصرا لله، ودعا المسلمين إلى الاهتمام به ومتابعته بل والفرح به، قال سبحانه: “الٓمٓ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُون فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِنَصۡرِ الله” وإذا كان المسلمون مطالبين بالاهتمام بحرب النصارى والفرح لانتصاراتهم، فكيف لا نهتم بانتصارات الشيعة في حزب الله وإيران ونفرح لها؟ بل كيف صرنا نفرح لهزائمهم ونطرب لها؟ إنها لعمري انتكاسة عن القرآن من حيث ندعي أننا ننصر القرآن ودين القرآن.
رابعا: لعل الكتاب الجامع لنا نحن أهل السنة هو الجامع الصحيح للإمام البخاري رضي الله عنه، وقد روى فيه أحاديث متعددة ندين الله بها إلى يومنا هذا عن رواة من الشيعة بل من غلاتهم، منهم:
أ ــ عباد بن يعقوب، كان رافضيا مشهورا يشتم عثمان بن عفان.
ب ــ عبد الملك بن أعين، روى له البخاري ومسلم وباقي الستة، قيل عنه بأنه من أعتى الشيعة، وقيل عنه وعن أخويه: كلهم روافض، وعبد الملك هذا أخبثُهم.
ج ــ عبيد الله بن موسى العبسي، من كبار شيوخ البخاري، روى له البخاري في صحيحه، وحديثه في الكتب الستة، قيل عنه: كان شيعيا محترقا، أي: غاليا في تشيعه،
د ــ عدي بن ثابت، أخرج له البخاري وباقي الستة، قيل عنه: كان يغلو في التشيع.
هـ ــ عوف بن ابي جميلة، أخرج له البخاري وباقي الستة، قيل عنه: فيه تشيع، وقيل عنه: قدَري رافضي.
و ــ محمد بن فضيل، أخرج له البخاري وباقي الستة، قيل عنه: كان شيعيا متحرقا، ضربه أبوه ليلة كاملة ليترحم على عثمان بن عفان فأبى، وقيل بأنه صار يترحم عليه.
ز ــ خالد بن مخلد القطواني، من كبار شيوخ البخاري، أخرج له في صحيحه، وأخرج له باقي الستة باستثناء أبي داود، قيل عنه: كان مفرطا في التشيع.
هؤلاء بعض الرواة الشيعة، ومنهم من كان على إفراط وغلو في تشيعه، ومنهم من كان يشتم عثمان بن عفان صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الأعمدة الأولى للإسلام، ومع ذلك كان العلماء يثنون على عبادتهم وورعهم وزهدهم، ولم يتردد الإمام البخاري على إمامته وجلالته في النهل من معينهم والتلقي من علومهم والرواية عنهم في جامعه الصحيح، فأين نحن من روح البخاري وجوهر البخاري ونحن الذين نعتمد على كتاب البخاري وندعو إلى الاعتصام به؟ وكيف نترحم على رجال البخاري المغالين في التشيع ولا نترحم على خامنئي وحسن نصر الله بدعوى التشيع؟ أهناك خبل أكثر من هذا؟
وخلاصة القول وزبدته، الشيعة الإمامية على مر العصور مسلمون موحدون، وكانوا في بغداد وغيرها يأخذون من أهل السنة ويأخذ عنهم أهل السنة، ويتعايشون مع بعضهم، وبقوا على ذلك السَّنن إلى عهد الشاه، حيث لم يكن علماء السنة يكفرون الشيعة، وسبق للحسن الثاني أن استقبل إمامهم ومرجعهم الشهيد موسى الصدر إلى الدروس الحسنية الرمضانية، وألقى الدرس في حضرته، ولم يقم بهذه المبادرة إلا إيمانا منه بأنه مسلم، ولم تصدر فتاوى تكفير الشيعة إلا بعد ثورة الإمام الخميني عام 1979، وهي أهم وأعظم وأنجح ثورة في العصر الحاضر، وقد تولى صدام حسين بدعم من العرب والغرب كبْرَ التكفير، وجيّش لذلك العلماء في مؤتمرات وندوات احتضنتها بغداد، وبعد ذلك حمل المشعل فقهاء نَجد ومفتوها، حيث كفَّروا وما قصّروا، لكن علماء السعودية اليوم حاولوا التراجع عن هذا التكفير من خلال بعض وثائق رابطة العالم الإسلامي لكنهم لم يستطيعوا إعادة برمجة العقل الشرعي بعد.
لهذا ندعو الشباب إلى الوعي بالمسألة وإدراك أن القضية سياسية وليست شرعية، وأن نصرة المظلوم بكل الوسائل المتاحة واجب شرعي، وأن الفرح بموت المسلم المظلوم المدافع عن وطنه وأمته دون أن تلين له قناة لا يمت إلى قيم الإسلام بصلة، وأن الشماتة فيه من المخالفات الشرعية التي قد يجد الإنسان وزرها في صحيفته يوم القيامة، دون أن ننسى أن بعض الخلان قد يُكَيَّف باعتباره توليا من الزحف.
اللهَ نسأل أن ينصر إخواننا في إيران على أعدائنا الصهاينة، وأن يتقبل شهداءهم، وأن يشفي جرحاهم ومصابيهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.





هذا رايي الشرعي وموقفي ايضا.. ولذا بادرت بالرحمة على المرشد علي خاميني دون اكتراث بغلو الصهيووهابية.. محبكم واخوكم أحمد صباح الخير وتقبل الله صيامكم..