في خطوة تثير الكثير من علامات الاستفهام، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عن توجهها نحو تقسيم كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية إلى كليتين منفصلتين: كلية للحقوق وأخرى للاقتصاد. ظاهريًا، يبدو القرار وكأنه استجابة لإشكالية الاكتظاظ التي تعاني منها هذه المؤسسات منذ سنوات. لكن عند التمحيص، يتضح أن الأمر لا يعدو أن يكون “تقسيماً على الورق”، يفتقر إلى أبسط شروط النجاح.
أول ما يثير القلق هو غياب البنية التحتية المواكبة لهذا القرار. فلا وجود لمقرات جديدة، ولا لمجمعات جامعية بديلة، ولا حتى لتوسعة فعلية للفضاءات الحالية. بل إن ما يُروج له كحل عملي ليس سوى إعادة توزيع زمني لنفس القاعات والمدرجات: طلبة الحقوق في الصباح، وطلبة الاقتصاد في المساء. فهل هذا إصلاح حقيقي، أم مجرد “إعادة ترتيب للاكتظاظ” بدل معالجته؟
إن الاكتظاظ ليس مشكلة تنظيم زمني، بل هو نتيجة تراكمات عميقة: ارتفاع أعداد الطلبة، محدودية الموارد البشرية، ضعف الاستثمار في البنية التحتية، وغياب رؤية شمولية لإصلاح التعليم الجامعي. وبالتالي، فإن اختزال الحل في تقسيم إداري شكلي يُعد تجاهلًا لجوهر الأزمة، بل وربما تعميقًا لها.
الأخطر من ذلك هو القطيعة مع الذاكرة التاريخية والبعد الأنثروبولوجي لهذه الكليات. فقد نشأت كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في مدن كبرى مثل وجدة، فاس، الرباط، الدار البيضاء ومراكش خلال أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، في سياق وطني خاص، حيث كانت الجامعة فضاءً لتكوين النخب وصياغة الوعي السياسي والقانوني والاقتصادي للمجتمع. هذه المؤسسات لم تكن مجرد بنايات أو هياكل إدارية، بل كانت حواضن فكرية وثقافية أنجبت أجيالًا من الأطر التي تتولى اليوم تسيير دواليب الدولة ومؤسساتها. إن تجاهل هذا الإرث، وهذا العمق التاريخي والرمزي، يُعد اختزالًا خطيرًا لوظيفة الجامعة، وتحويلًا لها إلى مجرد وحدات قابلة للتفكيك الإداري دون اعتبار لهويتها ودورها المجتمعي.
ثم إن هذا التقسيم يطرح إشكالات بيداغوجية واضحة. فهل سيتم فعلاً فصل المسارات العلمية بشكل يضمن استقلالية كل كلية؟ أم أننا أمام ازدواجية شكلية في الهياكل، مع استمرار نفس الموارد ونفس الإكراهات؟ وما مصير الشعب المشتركة، والتكوينات المتقاطعة، والبحث العلمي الذي يستفيد من هذا التداخل بين التخصصات؟
ولا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن السياق السياسي والزمني الذي يصدر فيه. فمع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يبدو أن هناك سباقًا محمومًا لتقديم “حصيلة” رقمية تُبرز عدد المؤسسات الجامعية التي تم إحداثها. وهنا يطرح السؤال بحدة: هل نحن أمام إصلاح بنيوي حقيقي، أم أمام إعادة تصنيف إداري يُستثمر في السيرة الذاتية للوزير باعتباره “إحداثًا” لمؤسسات جديدة؟ إن تحويل كلية واحدة إلى كليتين دون توفير شروط الاستقلال الفعلي لا يعني بالضرورة خلق قيمة مضافة للمنظومة، بقدر ما قد يُنتج تضخمًا شكليًا في الأرقام.
لا يمكن إنكار أن نية الإصلاح قائمة، وأن الاكتظاظ يشكل تحديًا حقيقيًا. لكن الإصلاح لا يكون بالقرارات السهلة أو الحلول الترقيعية. الإصلاح يتطلب استثمارًا حقيقيًا في البنية التحتية، توظيفًا كافيًا للأساتذة، تخطيطًا استراتيجيًا بعيد المدى، وإشراكًا فعليًا للفاعلين الجامعيين في اتخاذ القرار.
إن ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام إصلاح حقيقي لمنظومة التعليم العالي، أم أمام محاولة لإنتاج أرقام وإحصائيات “مريحة” دون تغيير فعلي على أرض الواقع؟
في غياب الشروط الموضوعية، يظل هذا التقسيم مجرد قرار إداري قد يضاعف من تعقيد الأزمة بدل حلها. والرهان الحقيقي ليس في تقسيم الكليات، بل في إعادة بناء الجامعة المغربية على أسس صلبة، تحترم تاريخها، وتستجيب لتحديات الحاضر، وتستشرف متطلبات المستقبل.
وفي الختام، وأمام هذا المشهد الذي يختلط فيه الارتجال بالتسويق السياسي، لا يسع المرء إلا أن يطرح السؤال الذي يختصر كل شيء: أليس فيكم رجل حكيم يوقف هذه المهازل قبل أن تتحول إلى كوارث حقيقية تمس جوهر الجامعة المغربية ودورها في صناعة المستقبل؟



تعليقات الزوار ( 0 )