أعلنت وزارة الداخلية عن انطلاق الاستعدادات المتعلقة بعملية الإحصاء الخاصة بالخدمة العسكرية برسم سنة 2026، تمهيدًا لإدماج الفوج الجديد ابتداءً من فاتح شتنبر 2026، تنفيذًا للتعليمات السامية لصاحب الجلالة محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية. وتمتد عملية الإحصاء من 2 مارس إلى 30 أبريل 2026، وتشمل الشباب المعنيين بأداء الخدمة العسكرية وفق الشروط المحددة قانونا.
هذا الإعلان يعكس مسارًا تاريخيًا طويلًا عرفه نظام الخدمة العسكرية بالمغرب، انتقل خلاله من صيغة تقليدية قائمة على الإكراه والضبط الأمني، إلى نظام أكثر تنظيمًا وانتقائية، مع بروز دعوات متزايدة لتحويله إلى خدمة وطنية شاملة ذات بعد تربوي ومجتمعي أوسع.
أولا: التجنيد العسكري كنظام إكراهي
في المغرب ما قبل الحماية، كان المخزن يعتمد إلى جانب الجيش النظامي على قبائل الكيش التي تشارك في الحملات العسكرية مقابل امتيازات ضريبية وعقارية. غير أن تفكك الجيش النظامي، خاصة بعد القضاء على “عبيد البخاري” إثر تورط بعض قادتهم في محاولات انقلابية، إضافة إلى الهزائم أمام الجيوش الأوروبية الحديثة، دفع السلطة إلى التفكير في تحديث المؤسسة العسكرية.
شمل هذا التحديث إرسال بعثات عسكرية إلى أوروبا، واستقدام خبراء أجانب، وإنشاء مصانع للأسلحة الخفيفة. غير أن هذه الإصلاحات لم تكن كافية دون توفير موارد بشرية قارة ومنضبطة، ما دفع إلى فرض نوع من التجنيد الإجباري على القبائل والمدن. كان النظام يعتمد توزيع حصص عددية على الجهات، يتكفل العمال والقواد والمقدمون بتنفيذها، وهو ما فتح الباب أمام تعسفات واسعة.
في الواقع، لم يكن الانتقاء يتم وفق معايير موضوعية، بل كان يخضع لمنطق النفوذ والحماية الاجتماعية. فأبناء الأعيان والعائلات النافذة غالبًا ما يُعفون، بينما يقع العبء على أبناء الفئات الفقيرة، سواء في القرى أو المدن. كما لجأت السلطة إلى إجراءات زجرية لضبط المجندين ومنع فرارهم، ما رسّخ في الذاكرة الجماعية صورة التجنيد باعتباره عقابًا أو شكلًا من أشكال الإكراه، لا فضاءً للتكوين أو التربية على المواطنة.
بعد الاستقلال، استمر جزء من هذا الإرث الانتقائي. فقد كان يتم التركيز غالبًا على الشباب المنقطعين عن الدراسة والمنتمين للفئات الشعبية، بينما يتمكن آخرون من الإفلات عبر مواصلة التعليم أو الاستفادة من تدخلات اجتماعية وإدارية. كما أن إشراف أجهزة الداخلية والدرك على العملية كان يضفي عليها طابعًا أمنيًا يثير الخوف لدى الأسر، التي كانت تنظر إلى التجنيد باعتباره انتقالًا قسريًا نحو المجهول.
ثانيا: الهاجس الأمني وسياق الستينات
عرف المغرب في ستينات القرن الماضي سياقًا سياسيًا متوترًا، تميز بالصراع بين السلطة والمعارضة، وبأحداث اجتماعية كبرى مثل انتفاضة الدار البيضاء سنة 1965. وفي ظل حالة الاستثناء التي أعلنها الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1965، صدر مرسوم 1966 المنظم للخدمة العسكرية، ليتم تفعيل التجنيد الإجباري في مناخ سياسي مشحون.
تميزت تلك المرحلة بنفوذ قوي لشخصيات عسكرية وأمنية بارزة، من بينها محمد أوفقير وأحمد الدليمي، وهو ما عزز الانطباع بأن الخدمة العسكرية تؤدي وظائف تتجاوز البعد الدفاعي نحو الضبط السياسي.
في هذا السياق، اعتبر كثير من الشباب، خاصة المنتمين للفئات الوسطى والمتعلمة، أن التجنيد قد يُستخدم لإبعادهم عن محيطهم الجامعي والسياسي، وإخضاعهم لتكوين صارم يقوم على الطاعة والانضباط. كما رأت بعض الأوساط المعارضة أن فرض الخدمة العسكرية كان يهدف إلى تقليص تأثير التنظيمات الحزبية والشبيبية التي كانت تؤطر الشباب في المخيمات والأنشطة التكوينية ذات الطابع الإيديولوجي.
ساهمت طبيعة التداريب العسكرية الصارمة، القائمة على الطاعة الفورية وتنفيذ الأوامر دون نقاش، في تعزيز النفور من الخدمة العسكرية. وانتقلت هذه التجارب السلبية عبر الذاكرة العائلية، ما عمّق صورة التجنيد كمرحلة قاسية أكثر منها فرصة للتكوين.
ثالثا: الخدمة العسكرية كنظام انتقائي
على خلاف بعض الدول التي تعتمد نظامًا شاملًا يقوم على المساواة بين المواطنين، ظل النظام المغربي يعتمد مقاربة انتقائية. فقد نص المرسوم الصادر في 20 مارس 2002 على إحصاء الشباب البالغين 19 سنة والمتوفرين على مستوى دراسي معين، مع إمكانية استدعاء فئات أخرى حسب حاجيات القوات المسلحة الملكية.
تعتمد عملية الانتقاء مرحلتين: إحصاء أولي وفق معايير السن والمستوى الدراسي، ثم انتقاء تمهيدي عبر لجان تدرس طلبات التأجيل أو الإعفاء بناءً على وثائق مبررة. كما يُحدد رئيس أركان الحرب العامة سنويًا عدد المجندين المطلوبين.
هذا الطابع الانتقائي جعل الخدمة العسكرية لا تشمل سوى نسبة محدودة من الشباب، في مجتمع لا تزال الأمية والهشاشة الاجتماعية حاضرتين في صفوفه. ونتيجة لذلك، تحوّل التجنيد في بعض الحالات إلى “امتياز” محدود، بدل أن يكون تجربة جماعية تعزز الانضباط وروح المواطنة لدى مختلف الشرائح.
ويرى بعض الباحثين أن حرمان فئات واسعة من تجربة تكوينية قائمة على الانضباط والمسؤولية قد ساهم في تفاقم مظاهر السلوك غير المدني في الفضاء العام، من عدم احترام قانون السير إلى الإخلال بقواعد النظافة والاحترام المتبادل. فالمدرسة والجامعة تركزان أساسًا على التحصيل الأكاديمي، دون أن تضطلعا دائمًا بدور كافٍ في التربية على القيم الوطنية.
رابعا: إعادة الإقرار بطابع تكويني
تم إلغاء الخدمة العسكرية سنة 2006، قبل أن يعاد العمل بها بموجب القانون رقم 44-18 الذي صادق عليه البرلمان سنة 2018. وقد ركزت الصيغة الجديدة على البعد التكويني والمهني، مع فتح الباب أمام مشاركة النساء لأول مرة.
أصبحت الخدمة العسكرية إلزامية للمواطنين والمواطنات بين 19 و25 سنة، لمدة 12 شهرًا، تتوزع بين أربعة أشهر من التكوين الأساسي وثمانية أشهر من التكوين المهني داخل مراكز القوات المسلحة الملكية. يشمل التكوين الأساسي تدريبات بدنية وعسكرية وثقافية تروم تعزيز الانضباط، وتحمل المسؤولية، والاعتماد على النفس. أما التكوين المهني فيهدف إلى تمكين المجندين من مهارات تقنية تسهل إدماجهم في سوق الشغل.
يستفيد المجندون من أجرة شهرية وتعويضات، إضافة إلى التغطية الصحية والتأمين عن الوفاة والعجز، وتحمل الدولة لمساهمات الاشتراك. ورغم هذه المكتسبات، يظل عدد المستفيدين محدودًا في حوالي 20 ألف مجند سنويًا، ما يقلص الأثر المجتمعي الشامل للنظام.
نحو أفق الخدمة الوطنية
في ظل التحولات التي يعرفها المغرب، سواء على مستوى البنيات التحتية الكبرى أو المشاريع التنموية، يبرز سؤال تكوين المواطن القادر على التفاعل الإيجابي مع هذه التحولات. فالتنمية المادية تحتاج إلى مواطن متشبع بقيم المواطنة والانضباط واحترام القانون.
من هذا المنطلق، تبرز دعوات لإعادة النظر في نظام الخدمة العسكرية في اتجاه خدمة وطنية أشمل، تقوم على:
ـ تعميم الاستفادة تدريجيًا على مختلف الشرائح، ذكورًا وإناثًا.
ـ تعزيز البعد التربوي والتحسيسي لإزالة الصورة السلبية المرتبطة بالتجنيد.
ـ إبرام شراكات بين المؤسسة العسكرية ووزارة التربية الوطنية لتنظيم دورات تكوينية صيفية لفائدة التلاميذ والطلبة.
ـ إشراك مؤسسات أخرى كالأمن الوطني والوقاية المدنية في برامج التأطير، بما يمنح الخدمة بعدًا مدنيًا يتجاوز الطابع العسكري الصرف.
ـ استثمار فترة الخدمة في تأهيل الشباب المنقطعين عن الدراسة وتمكينهم من حِرَف ومهارات عملية.
بهذا المعنى، يمكن أن تتحول الخدمة العسكرية إلى خدمة وطنية متعددة الأبعاد، تساهم في تقوية الروح الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة، وإعادة بناء جسور الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة. فالمواطنة ليست مجرد وثيقة إدارية، بل هي سلوك يومي يُكتسب بالتربية والتكوين والممارسة.
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في حماية الحدود وضمان الأمن، بل أيضًا في تكوين مواطن منضبط ومسؤول، قادر على احترام الفضاء العام والتعايش مع الآخرين. ومن شأن تطوير نظام الخدمة العسكرية في اتجاه خدمة وطنية منفتحة أن يشكل رافعة أساسية لتحقيق هذا الهدف، في مجتمع ما زال يسعى إلى ترسيخ ثقافة القانون وروح المسؤولية المشتركة.




تعليقات الزوار ( 0 )