تشهد العلاقات بين دول الخليج والمغرب العربي تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة، انتقلت من الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات متعددة الأبعاد تقوم على المصالح الاقتصادية والتنسيق الأمني.
ويبرز المغرب كأحد أبرز الفاعلين في هذه المعادلة الجديدة، مستفيدا من موقعه الاستراتيجي وقدرته على بناء توازنات دقيقة مع شركائه الخليجيين.
وتكشف ورقة تحليلية صادرة في ماي 2026 عن “مجلس الشرق الأوسط“، أعدها الباحث يحيى زوبير، أن هذه العلاقات لم تعد قائمة على مشاريع اندماج إقليمي واسعة، بل أصبحت تعتمد على تعاون مرن ومحدد حسب القطاعات والمصالح.
ويشير المصدر إلى أن المغرب نجح في ترسيخ موقعه كشريك موثوق لدول الخليج، خصوصا السعودية والإمارات وقطر، بفضل استقرار سياساته وخياراته الاقتصادية المنفتحة.
وفي هذا السياق، عزز المغرب علاقاته مع دول الخليج على أسس متعددة، تشمل الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة والسياحة والخدمات اللوجستية.
كما شكل الدعم الخليجي لموقف الرباط في قضية الصحراء أحد أعمدة هذا التقارب، حيث حافظت دول الخليج على تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في مختلف المحافل الدولية.
اقتصاديا، تمكن المغرب من توظيف الاستثمارات الخليجية ضمن استراتيجيته لتنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على الأسواق الأوروبية.
وقد استهدفت هذه الاستثمارات قطاعات حيوية مثل الطاقات المتجددة والموانئ والصناعات التحويلية، ما يعزز موقع المملكة كمركز إقليمي يربط بين أوروبا وأفريقيا.
وعلى المستوى الأمني، طورت الرباط تعاونها مع شركائها الخليجيين عبر تدريبات مشتركة وتبادل المعلومات، إضافة إلى انخراطها في مبادرات إقليمية.
كما حافظت على نهج متوازن في علاقاتها، ظهر بوضوح خلال الأزمة الخليجية سنة 2017 حين تبنت موقف الحياد وسعت للوساطة، ما عزز صورتها كفاعل دبلوماسي مرن.
في المقابل، تختلف طبيعة علاقات باقي دول المغرب العربي مع الخليج. فالجزائر تعتمد مقاربة حذرة تقوم على المصالح الطاقية دون انخراط سياسي عميق، بينما تركز تونس على الاستفادة من الدعم المالي دون الارتباط بتحالفات استراتيجية.
أما ليبيا فتمثل ساحة تنافس بين قوى خليجية، في حين تسعى موريتانيا إلى بناء شراكات أمنية محدودة تخدم استقرارها الداخلي.
وتؤكد المعطيات أن العلاقات الخليجية المغاربية تتجه نحو نموذج “الهندسة المتغيرة”، حيث تتشكل الشراكات حسب المصالح المشتركة دون وجود تكتل موحد.
ويبرز المغرب في هذا الإطار كنموذج للتوازن بين الانفتاح على الاستثمارات الخارجية والحفاظ على استقلالية القرار السيادي.
وترى الورقة التحليلية، أن هذه التحولات تعكس واقعا إقليميا جديدا تحكمه البراغماتية الاقتصادية وتغير موازين القوى الدولية، ما يجعل من التعاون المرن خيارا أساسيا للدول المعنية.
وأشارت إلى أنه وفي ظل هذه المعادلة، يواصل المغرب تعزيز موقعه كشريك استراتيجي محوري، مستفيدا من قدرته على التكيف مع التحولات وبناء علاقات متعددة الاتجاهات.




تعليقات الزوار ( 0 )