كشفت احكام قضائية حديثة صادرة عن المحكمة الادارية بطنجة، بلغة الارقام، عن الكلفة الحقيقية لتاخر صرف المستحقات لفائدة المقاولات المنجزة للصفقات العمومية، مبرزة كيف يمكن لبطء المساطر الادارية ان يتحول مع مرور الزمن الى عبء مالي ثقيل يضاعف كلفة المشاريع العمومية ويستنزف الميزانيات المحلية.
وتتعلق هذه الاحكام بنزاعات جمعت بين عدد من الشركات ومجلس عمالة طنجة اصيلة، بسبب عدم تصفية مستحقات صفقات عمومية انجزت اشغالها وسلمت نهائيا منذ سنوات طويلة، بعضها يعود الى سنتي 2009 و2010، دون احترام الاجال القانونية المحددة للاداء، رغم استكمال كافة الاجراءات التقنية والادارية.
ومن بين ابرز القضايا المعروضة، ملف يخص اشغال تهيئة المنطقة الصناعية مغوغة في اطار صفقة مبرمة سنة 2009، حيث قضت المحكمة باداء مبلغ اجمالي ناهز 6.9 ملايين درهم، موزع بين حوالي 4.77 ملايين درهم كقيمة للاشغال المنجزة، واكثر من 2.16 مليون درهم كفوائد عن التاخر، ما يعكس بوضوح الاثر التراكمي لسنوات الانتظار.
وتبرز معطيات هذا الملف ان فوائد التاخر قاربت نصف قيمة الاشغال الاصلية، نتيجة امتداد النزاع لاكثر من خمسة عشر عاما، رغم ثبوت التسليم النهائي للاشغال وعدم تسجيل اي تحفظات تقنية او مالية، ما يجعل من هذه القضية نموذجا دالا على الكلفة الخفية للتاخر الاداري.
وفي قضية ثانية تتعلق بصفقة ابرمت سنة 2010، الزمت المحكمة الجهة المعنية باداء مبلغ يقارب 1.82 مليون درهم لفائدة مقاولة منجزة، اضافة الى فوائد تاخير فاقت 857 الف درهم، حيث اثبتت وثائق الملف ان المقاولة ادلت بمحاضر التسليم النهائي وكشف الحساب الاخير، غير ان مستحقاتها ظلت معلقة رغم المراسلات المتكررة.
ولا تقتصر هذه النزاعات على اصل قيمة الاشغال فقط، بل تشمل ايضا مبالغ الضمان النهائي والاقتطاعات الضامنة، اذ سجلت احدى القضايا بقاء مبلغ ضمان نهائي يفوق 155 الف درهم غير مسترجع، الى جانب اقتطاع ضامن بقيمة تناهز 363 الف درهم، رغم الادلاء بوثائق رفع اليد والتسليم النهائي، ما يكشف خللا في تتبع المساطر المالية بعد انتهاء التنفيذ.
وتشير تواريخ المراسلات المضمنة بالملفات الى ان المقاولات المعنية لجأت اولا الى الحلول الودية، عبر توجيه انذارات رسمية ما بين ابريل 2023 وفبراير 2024، دون تلقي اي رد، ما دفعها الى سلوك المسار القضائي كخيار اخير.
ومن الناحية القانونية، يحدد الاطار المنظم للصفقات العمومية اجل الاداء في 60 يوما من تاريخ معاينة الخدمة المنجزة، ويترتب عن تجاوزه، متى كان التاخر منسوبا للادارة، استحقاق فوائد عن التاخر تحتسب وفق سعر مرجعي مرتبط ببون الخزينة، غير ان الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين النص والتطبيق.
ويرى مختصون ان الملفات القديمة تعد الاكثر كلفة على المال العام، حيث يؤدي طول امد النزاع الى تضخم قيمة الفوائد مقارنة باصل الدين، ما يرفع العبء المالي النهائي عند صدور الاحكام.
وفي مدينة طنجة، التي عرفت توسعا كبيرا في مشاريع التهيئة والبنية التحتية خلال العقدين الاخيرين، يبرز تتبع اجال الاداء كعنصر اساسي في ضبط كلفة المشاريع والحفاظ على توازن العلاقة بين الادارة والمتعاملين الاقتصاديين.
ويؤكد متابعون ان تاخر الاداءات لا ينعكس فقط على الوضع المالي للمقاولات، بل يطرح اشكالا اعمق على مستوى تدبير الميزانيات العمومية، اذ تتحول التزامات قابلة للتسوية السريعة الى ديون مضاعفة بفعل فوائد التاخر وتكاليف النزاعات القضائية.
كما تشير تحليلات اقتصادية الى ان استمرار هذا الوضع قد يدفع بعض المقاولات الى التردد في المشاركة في الصفقات العمومية، او الى رفع كلفة عروضها تحسبا لمخاطر التاخر، ما قد يؤثر سلبا على كلفة وجودة المشاريع العمومية.
وتعيد احكام المحكمة الادارية بطنجة طرح اشكالية تاخر الاداءات العمومية كقضية بنيوية تتجاوز النزاعات الفردية، وتسلط الضوء على ضرورة تعزيز الحكامة المالية واحترام الاجال القانونية في تدبير المال العام.



تعليقات الزوار ( 0 )