في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وما يرافقها من تقلبات حادة في أسعار النفط، يجد الاقتصاد المغربي نفسه أمام تحديات متزايدة ترتبط أساسا بارتفاع كلفة الطاقة وانعكاساتها المباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين وتوازنات السوق، حيث بدأت هذه التداعيات تظهر بشكل ملموس من خلال موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات، ما ينذر بامتداد آثارها إلى مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية.
وهذا الوضع يضع صانع القرار اليوم أمام معادلة دقيقة تتطلب تحقيق التوازن بين حماية الاقتصاد الوطني من الانكماش، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف من موجة تضخمية غير مسبوقة؛ قد تكون أعمق وأكثر اتساعا مما سبقها في السنوات الأخيرة.
-دعم مؤقت
يرى علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن السياق الدولي الحالي، المتسم بعدم الاستقرار وارتفاع أسعار الطاقة، يفرض على الحكومة اتخاذ قرارات استثنائية تتسم بالجرأة والمسؤولية، وذلك من أجل تفادي سيناريوهات اقتصادية أكثر حدة قد تمس مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
وطرح الغنبوري في تصريح لجريدة “الشعاع”؛ خيار العودة المؤقتة إلى دعم المحروقات عبر صندوق المقاصة، باعتباره إجراءً استثنائيا ومحدودا زمنيا، مرتبطا بشكل مباشر بتطورات الأوضاع الدولية.
وأكد الخبير والمحلل الاقتصادي، على أن هذا الدعم لا ينبغي أن يكون مفتوحا أو دائما، بل يجب أن يخضع لتقييم دوري، بشكل شهري، وفقا لتغيرات أسعار النفط في السوق العالمية.
وأضاف أن هذا الخيار، رغم كلفته على ميزانية الدولة، قد يشكل صمام أمان مرحلياً، يساهم في كبح جماح الارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات، وبالتالي الحد من انتقالها السريع إلى باقي القطاعات، خاصة تلك المرتبطة بالإنتاج والنقل والتوزيع.
-تخفيف ضريبي
إلى جانب خيار الدعم، يبرز الغنبوري بديلاً آخر يتمثل في تقليص الضرائب المفروضة على المحروقات، سواء تعلق الأمر بالضريبة الداخلية على الاستهلاك أو الضريبة على القيمة المضافة، على غرار ما قامت به عدة دول لمواجهة نفس الظرفية.
وشدد على أن هذا الإجراء يمكن أن يكون أكثر مرونة وأسرع أثراً، إذ ينعكس بشكل مباشر على الأسعار في محطات الوقود، مما يخفف الضغط عن المستهلكين، سواء كانوا أفرادا أو مقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة التي تعاني من ارتفاع كلفة الإنتاج.
ولفت إلى أن تخفيف العبء الضريبي، يساهم في الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، ويحد من مخاطر توقف بعض الوحدات الإنتاجية أو تقليص استثماراتها، وهو ما قد تكون له انعكاسات سلبية على سوق الشغل.
-أثر واسع
يحذر الغنبوري من الاكتفاء بالإجراءات الحالية، خاصة تلك المرتبطة بالدعم المباشر لفائدة مهنيي النقل، معتبرا أنها تظل محدودة الأثر ولا ترقى إلى حجم التحديات المطروحة في الظرفية الراهنة.
ويبرز أن تأثير ارتفاع أسعار المحروقات لا يقتصر على قطاع النقل فقط، بل يمتد إلى مختلف سلاسل الإنتاج والتوزيع، ليشمل أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع عام في كلفة المعيشة.
وأكد على أن استمرار هذا الوضع دون تدخل شامل قد ينعكس سلبا على تنافسية الاقتصاد الوطني، وعلى التوازنات الاجتماعية، ما يستدعي اعتماد رؤية استباقية تعتبر استقرار أسعار المحروقات جزءا لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي والاجتماعي، قبل أن تتحول كلفة التأخر في اتخاذ القرار إلى عبء أكبر على الدولة والمجتمع.




تعليقات الزوار ( 0 )