تشهد قضايا الهجرة الإفريقية حضورًا كثيفًا في النقاشات الدولية، غالبًا في إطار سرديات تتحدث عن “نزوح جماعي” باتجاه أوروبا، وغير أن قراءة تحليلية مبنية على المعطيات الرقمية تكشف صورة أكثر تعقيدًا، تتجاوز التصورات الإعلامية والسياسية السائدة.
وفي هذا السياق، قدم الباحث المغربي حسن بنطالب، -المتخصص في قضايا الهجرة-، ورقة تحليلية منشورة عبر منصة “ميغرابريس” الرقمية، المتخصصة في تحليل سياسات الهجرة، تستند إلى تقرير صادر عن “Stiftung Wissenschaft und Politik”، وتعيد تفكيك الفكرة الشائعة حول اتجاه الهجرة الإفريقية، عبر مقاربة تجمع بين الأرقام، والسياق التاريخي، والتحولات الجيوسياسية.
والمعطيات المعتمدة، والمستمدة أساسًا من قواعد بيانات إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة (UN DESA)، مدعومة بإحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، ومركز رصد النزوح الداخلي (IDMC) ترسم خريطة مختلفة للهجرة الإفريقية، حيث تظهر القارة كفضاء حركي داخلي أكثر منه مصدر تدفق خارجي كثيف.
-تفكيك السردية
تبين الأرقام أن ما يقارب 85% من الهجرات الإفريقية يتم داخل القارة نفسها، وهذه النسبة تعني أن الغالبية الساحقة من التنقلات تحدث بين دول إفريقية متجاورة أو ضمن أقاليم اقتصادية مشتركة، وليس باتجاه أوروبا كما يروج في الخطابات السياسية، وفي المقابل، يمثل المهاجرون الأفارقة خارج القارة نسبة أقل مقارنة بحجم السكان الإجمالي.
وهذا التباين بين الواقع الإحصائي والصورة المتداولة يرتبط بعوامل متعددة، أبرزها التركيز الإعلامي على الهجرة غير النظامية عبر المتوسط، إضافة إلى التوظيف السياسي للملف داخل النقاشات الأوروبية.
والنتيجة في الأخير،هي تضخيم رمزي للهجرة الإفريقية، يجعلها تبدو كأزمة عابرة للقارات، بينما هي في جوهرها حركية إقليمية.
-جذور بنيوية
التحليل يبرز أن الهجرة الإفريقية ليست ظاهرة طارئة، بل جزء من بنية اجتماعية واقتصادية ضاربة في التاريخ، فالتنقل عبر الحدود سبق نشوء الدول الحديثة، وارتبط بالتجارة العابرة للصحراء والرعي وشبكات القرابة الممتدة، حيث إن الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية قطعت فضاءات كانت مترابطة، لكنها لم توقف منطق الحركة.
وكما أن مشاريع الاندماج الإقليمي داخل القارة، مثل اتفاقيات حرية التنقل بين بعض التجمعات الاقتصادية، ساهمت في تعزيز أسواق عمل عابرة للحدود وهجرات موسمية منظمة.
وهذه الدينامية كما يبرز الباحث بنطالب، تجعل الهجرة جزءًا من آليات التكيف الاقتصادي والاجتماعي، وليست مجرد استجابة ظرفية للأزمات.
-ضغط ديمغرافي
غالبًا ما تختزل الهجرة الإفريقية في خطاب “القنبلة الديمغرافية”، الذي يفترض أن النمو السكاني يقود حتمًا إلى موجات نزوح خارجي.
وغير أن القراءة الدقيقة تظهر أن الهجرة الدولية تتطلب موارد مالية وتعليمية لا تتوفر للفئات الأكثر فقرًا، بل إن القادرين على الهجرة هم عادة من الفئات التي شهدت قدرًا من التعليم أو التحضر.
والمدن الإفريقية تلعب هنا دورًا محوريًا كمراكز جذب داخلية، حيث تسبق الهجرة الريفية-الحضرية في كثير من الأحيان أي انتقال دولي.
وبهذا المعنى، تعكس الهجرة تحولًا في التطلعات الاجتماعية والاقتصادية، وليس مجرد هروب من الفقر.
-حدود مفوضة
من أبرز محاور التحليل مسألة تفويض مراقبة الحدود الأوروبية، فالاتحاد الأوروبي اتجه خلال السنوات الأخيرة إلى نقل جزء من إدارة حدوده إلى دول إفريقية عبر اتفاقيات أمنية وتمويل برامج مراقبة، وهذا التوجه أعاد تشكيل أدوار بعض الدول لتصبح مناطق عبور أو احتواء.
والآثار الداخلية لهذه السياسة متعددة؛ إطالة فترات الانتظار للمهاجرين، وضغط على الأنظمة القانونية المحلية، وتوترات اجتماعية في مناطق العبور.
وكما أن بعض السياسات الوطنية يعاد ترتيبها تحت تأثير هذه الشراكات، ما يطرح أسئلة حول السيادة وتوازن المصالح.
-قراءة نقدية
رغم قوة المعطيات، يشير التحليل إلى حدود منهجية تستحق النقاش، حيث إن الاعتماد الكبير على البيانات المؤسسية قد يغفل أشكال الهجرة غير الرسمية أو الدائرية، وهي واسعة الانتشار في السياق الإفريقي.
وكذلك، فإن المقاربة الكلية تركز على الاتجاهات العامة أكثر من التجارب الفردية ومسارات الحياة.
وهناك أيضًا مسألة تعميم مفهوم “الهجرة الإفريقية”، رغم اختلاف السياقات بين شمال القارة وشرقها وجنوبها.
و إضافة إلى ذلك، يلعب الفاعلون غير الحكوميين؛ من شبكات الشتات (الدياسبورا) إلى منصات رقمية؛ دورًا مهمًا في تسهيل الحركة، وهو جانب يحتاج إلى تعميق.
-أفق التحليل
الخلاصة التي يقدمها هذا العمل أن الهجرة الإفريقية ظاهرة إقليمية وتاريخية وانتقائية، تتشكل عند تقاطع العوامل الاقتصادية والديمغرافية والجيوسياسية.
ويبرز أن تفكيك أسطورة “النزوح الجماعي” لا يعني إنكار التحديات، بل إعادة وضعها في سياقها الواقعي.
وفهم هذه الديناميات يتطلب تجاوز القراءة الأمنية أو الاختزالية، والانتقال إلى مقاربة ترى في الحركة جزءًا من التحولات الاجتماعية للقارة.
وبذلك، يصبح النقاش حول الهجرة أقل خضوعًا للخيال السياسي، وأكثر ارتباطًا بالمعرفة الدقيقة ومسارات التنمية الإقليمية.




تعليقات الزوار ( 0 )