في وقت تتجه فيه الاستثمارات التعدينية العالمية نحو البحث عن مناطق مستقرة وآمنة بعيداً عن التعقيدات الجيوسياسية، يبرز المغرب كوجهة صاعدة في خارطة الاستثمار المعدني بإفريقيا.
وهذا ما خلص إليه تقرير تحليلي نشرته منصة “Discovery Alert” الأسترالية، المتخصصة في أخبار وتحليلات أسواق التعدين، والتي خصصت مادة مطولة للفرص الاستثمارية التي تتيحها المملكة خلال الفترة 2025–2030.
ويستند التقرير إلى قراءة شاملة للعوامل الجيولوجية والجغرافية والتنظيمية التي تمنح المغرب موقعاً تنافسياً متقدماً، خاصة في سياق عالمي بات يولي أهمية قصوى لإدارة المخاطر وتنويع مصادر التزود بالمعادن الاستراتيجية.
-تموقع استراتيجي
يرى التقرير أن الموقع الجغرافي للمغرب، عند تقاطع أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، يمنحه أفضلية لوجستية واضحة مقارنة بعدد من الدول الإفريقية الأخرى، فالقرب من الأسواق الأوروبية يختصر مسافات النقل ويخفض تكاليف الشحن، ما يحسن الجدوى الاقتصادية للمشاريع التعدينية.
كما أن توفر بنية تحتية موانئية متقدمة في مدن مثل الدار البيضاء وطنجة وأكادير يوفر قدرات تصديرية جاهزة دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الموانئ، وهو عامل حاسم في تقليص كثافة رأس المال وتسريع دخول المشاريع مرحلة الإنتاج.
ويؤكد التقرير أن هذه الشبكة اللوجستية القائمة تمنح المستثمرين ميزة “الجاهزية الفورية”، مقارنة بولايات قضائية أخرى تتطلب سنوات من تطوير البنيات الأساسية قبل بدء الاستغلال الفعلي.
-تنويع خارج الفوسفاط
رغم أن المغرب يعد فاعلاً عالمياً رئيسياً في إنتاج الفوسفاط، وهو قطاع يساهم بنسبة معتبرة في الاقتصاد الوطني، فإن الاستراتيجية الحكومية الحالية تسعى إلى تقليص التركيز على مورد واحد.
ويشير التقرير إلى أن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة تستهدف رفع عائدات المعادن غير الفوسفاطية إلى نحو 1.4 مليار دولار بحلول سنة 2030.
ويستند هذا الطموح إلى إمكانات جيولوجية مهمة في سلاسل الأطلس الصغير والأطلس الكبير، حيث تؤكد المعطيات الجيولوجية وجود أنظمة نحاسية من نوع “بورفيري”، ورواسب ذهب أوروجينية، إضافة إلى معادن أساسية أخرى لم تحظ بالاستكشاف الكافي في السابق بسبب التركيز التاريخي على الفوسفاط.
ويعتبر التقرير أن هذا التنوع يمنح المغرب فرصة لبناء محفظة معدنية متعددة السلع، ما يخفف من مخاطر تقلبات الأسعار المرتبطة بمعدن واحد، ويعزز جاذبية البلاد لدى المستثمرين الباحثين عن تنويع جغرافي ومعدني في آن واحد.
-طلبات عروض واسعة
من أبرز المؤشرات على جدية الرهان المغربي، حسب التقرير، إطلاق طلب عروض استكشافية تغطي نحو 13 ألف كيلومتر مربع، موزعة على 361 رخصة استكشاف في منطقتي تافيلالت وفكيك.
ويشمل نطاق الاستكشاف معادن متعددة، من بينها الذهب والفضة والنحاس والرصاص والزنك والباريت، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو استغلال الرواسب متعددة المعادن (polymetallic deposits)، التي تتيح مردودية أعلى عبر استخراج أكثر من معدن من نفس المشروع.
ويشير التقرير إلى أن هذا العرض يغطي ما يقارب ربع الحوض المعدني المعني، ما يبرز حجم الإمكانات غير المستغلة بعد، ويفتح الباب أمام اكتشافات قد تكون ذات بعد عالمي في حال تأكيد المؤشرات الأولية.
-إصلاحات تنظيمية
يشدد التقرير على أن التحول في جاذبية المغرب الاستثمارية لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تحديث شامل للإطار القانوني منذ سنة 2016، فقد تم تبسيط مساطر الترخيص، واعتماد معايير تقييم أكثر شفافية، ومواءمة القوانين مع أفضل الممارسات الدولية.
وتبنت الوزارة الوصية منهجية تقييم متعددة المعايير، لا تقتصر على العرض المالي، بل تشمل الكفاءة التقنية، والقدرة المالية على تنفيذ برامج استكشاف وتطوير طويلة الأمد، إضافة إلى مدى التزام الشركات بمعايير البيئة والمسؤولية الاجتماعية.
ويعتبر التقرير أن هذا التحول من منطق “أقل عرض مالي” إلى منطق “تعظيم القيمة المستدامة” يعكس نضجاً مؤسساتياً ويعزز ثقة المستثمرين الدوليين.
-أولوية الاستدامة
من النقاط التي أبرزها التقرير تركيز المغرب على دمج معايير البيئة والمجتمع والحكامة (ESG) في تقييم المشاريع، حيث أصبحت كفاءة استخدام المياه والطاقة معياراً إلزامياً، مع منح أفضلية للمشاريع التي تعتمد إعادة تدوير المياه، واستعمال الطاقات المتجددة، وتقنيات تقليص النفايات.
ويرى التقرير أن هذا التوجه يضع المغرب في طليعة الدول الإفريقية التي تدمج مبادئ الاقتصاد الدائري في سياساتها التعدينية، بما يتماشى مع متطلبات التمويل الدولي الحديث، خاصة من قبل المؤسسات التنموية والمستثمرين المؤسساتيين.
كما أن إدماج الطاقات المتجددة في المشاريع المنجمية ينسجم مع ريادة المغرب في تطوير الطاقة الشمسية والريحية، ما يتيح إمكانية خفض التكاليف التشغيلية وتقليص البصمة الكربونية في آن واحد.
-فرص سوقية واعدة
يشير التقرير إلى أن الطلب العالمي على النحاس، المرتبط بانتقال الطاقة والبنيات التحتية الكهربائية، يمنح المشاريع النحاسية في المغرب آفاقاً واعدة على المدى المتوسط والطويل، كما أن الذهب يظل ملاذاً آمناً في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية، ما يدعم جاذبية الاستكشاف في الأطلس الصغير.
وإلى جانب ذلك، فإن المعادن الأساسية مثل الرصاص والزنك والفضة تحظى بطلب صناعي متنامٍ، خاصة في مجالات تخزين الطاقة والصناعات التحويلية، ما يعزز من فرص تطوير مشاريع متعددة المعادن داخل نفس الرخصة.
-تحديات محسوبة
رغم الصورة الإيجابية، لا يغفل التقرير الإشارة إلى بعض التحديات، من بينها تدبير الموارد المائية في المناطق الجنوبية الشرقية، والحاجة إلى تطوير الكفاءات المحلية في تقنيات التعدين المتقدمة، فضلاً عن تقلبات أسعار السلع في الأسواق العالمية.
وغير أن تنوع الموارد، واستقرار الإطار السياسي، وجودة البنية التحتية، كلها عوامل تجعل المخاطر “قابلة للإدارة” مقارنة بعدد من المناطق ذات الإمكانات الجيولوجية الكبيرة لكن البيئات التشغيلية لها تكون الأكثر تعقيداً.
-أفق 2030
يقدم تقرير “Discovery Alert” صورة عن مغرب يسعى إلى إعادة تموقعه داخل الخريطة الإفريقية والعالمية للتعدين، عبر الجمع بين الاستقرار المؤسساتي، والتنوع الجيولوجي، والالتزام بالاستدامة.
والهدف المعلن برفع عائدات المعادن غير الفوسفاطية إلى 1.4 مليار دولار بحلول 2030 ليس مجرد رقم، بل يعكس تحولا هيكلياً في فلسفة تدبير القطاع، من اقتصاد قائم على مورد واحد إلى منظومة تعدين متعددة السلع، قادرة على جذب استثمارات دولية طويلة الأمد، وتحقيق قيمة مضافة تتجاوز الاستخراج نحو المعالجة والتصنيع.




تعليقات الزوار ( 0 )