تشكل الشراكة الأمنية بين المغرب وإسبانيا، كما أبرزت ذلك صحيفة “لاراثون” (La Razón) الإسبانية، واحدة من أبرز نماذج التعاون الاستراتيجي في الفضاء الأورو-متوسطي، في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود وتعقدها، فالعلاقة بين الرباط ومدريد لم تعد مجرد تنسيق ظرفي أو تقني، بل تحولت إلى تحالف متكامل قائم على الثقة والفعالية والاستباق.
وفي سياق إقليمي مضطرب، تتداخل فيه تحديات الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة، نجح البلدان في بناء هندسة أمنية متقدمة جعلت منهما فاعلين محوريين في حفظ الاستقرار، ليس فقط على المستوى الثنائي، بل على نطاق أوسع يشمل أوروبا وإفريقيا.
-تحالف متين
لم يعد التعاون المغربي الإسباني مجرد انعكاس لحسن الجوار، بل أضحى شراكة استراتيجية قائمة على رؤية مشتركة لمواجهة المخاطر. فقد أثبتت التجربة أن التنسيق الأمني بين البلدين يقوم على أسس متينة، تجمع بين تبادل المعلومات بشكل سلس، والعمل الميداني المشترك، والقدرة على التحرك السريع في مواجهة التهديدات.
وتبرز أهمية هذا التحالف في كونه يتجاوز رد الفعل، ليعتمد أساسًا على منطق الاستباق، الذي يعد حجر الزاوية في أي منظومة أمنية حديثة. فالتحديات الراهنة لا تتيح هامش التأخر، بل تفرض اليقظة الدائمة والتدخل المبكر.
-تنسيق استباقي
منذ سنة 2014، راكم المغرب وإسبانيا تجربة غنية في تنفيذ عمليات مشتركة ضد الشبكات الإرهابية، خاصة المرتبطة بالتنظيمات الجهادية. وقد شكلت عملية “أزتيكا” نقطة تحول مفصلية، حيث مكنت من تفكيك شبكة خطيرة لتجنيد المقاتلين وإرسالهم إلى بؤر التوتر، خاصة في سوريا ومنطقة الساحل.
وهذا التنسيق لم يتوقف عند حدود العمليات، بل تطور ليشمل آليات عمل أكثر دقة، تعتمد على تبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فوري، وتنسيق التدخلات الأمنية بشكل متزامن، مما عزز من فعالية الجهود المشتركة في تحييد التهديدات قبل أن تتجسد على أرض الواقع.
-ثقة متبادلة
العنصر الحاسم في نجاح هذه الشراكة يتمثل في مستوى الثقة بين المؤسستين الأمنيتين في البلدين، فالتعاون في مجال حساس كالأمن والاستخبارات لا يمكن أن يقوم دون وجود ثقة راسخة تتيح تقاسم المعطيات الدقيقة واتخاذ قرارات مشتركة.
وهذه الثقة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة سنوات من العمل المشترك، المبني على المهنية العالية، والمصداقية، والنتائج الملموسة. وقد استطاع المغرب، من خلال أجهزته الأمنية، أن يرسخ مكانته كشريك موثوق لدى إسبانيا وعدد من الدول الأوروبية.
-دور حموشي
في هذا الإطار، تبرز شخصية عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، كأحد الفاعلين الرئيسيين في ترسيخ هذا النموذج من التعاون، فالتكريم الذي حظي به من قبل السلطات الإسبانية لا يعد مجرد إجراء بروتوكولي، بل يعكس اعترافًا صريحًا بدوره في تطوير العمل الأمني وتعزيز الشراكات الدولية.
وساهم حموشي، من خلال قيادته، في تحديث الأجهزة الأمنية المغربية، وتعزيز قدراتها الاستباقية، وترسيخ ثقافة التعاون الدولي، وهو ما جعل التجربة المغربية تحظى بتقدير واسع على الصعيد الدولي.
-أبعاد إقليمية
لا تقتصر أهمية هذا التعاون على المغرب وإسبانيا فقط، بل تمتد لتشمل الفضاء المتوسطي والأوروبي والإفريقي، فنجاح العمليات المشتركة في تفكيك الخلايا الإرهابية أو إحباط المخططات الإجرامية ينعكس إيجابًا على الأمن الإقليمي برمته.
وبذلك، تتحول هذه الشراكة إلى رافعة للاستقرار، حيث تسهم في الحد من انتشار التهديدات، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين الدوليين في مجال الأمن.
-نموذج ناجح
تشدد صحيفة “لاراثون” على أن التعاون الأمني المغربي الإسباني يمثل قصة نجاح حقيقية، قائمة على الاستمرارية والفعالية والإرادة السياسية.
وأشارت إلى أنه نموذج يبرز كيف يمكن للدول، عندما تتوفر لديها القيادة والرؤية، أن تبني شراكات ذكية قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة.
وأكدت على أنه في عالم يتسم بعدم اليقين وتزايد المخاطر، تظل هذه التجربة دليلا على أن التعاون القائم على الثقة والعمل المشترك يظل أحد أنجع السبل لضمان الأمن والاستقرار، ليس فقط للدول، بل للمجتمعات بأكملها.




تعليقات الزوار ( 0 )