يشكل انتخاب المغرب لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي محطة سياسية ودبلوماسية ذات دلالات متعددة، تتجاوز بعدها الإجرائي إلى ما تحمله من رسائل تتعلق بموقع المملكة داخل المنظومة الإفريقية، فهذا التطور يعكس في أحد أبعاده، تقييماً إفريقياً لأدوار المغرب في قضايا السلم والأمن، وفي مقاربته للتعاون جنوب–جنوب، بما يعزز حضوره داخل المؤسسات القارية.
وهذا الانتخاب يأتي في سياق إفريقي يتسم بتحديات أمنية عابرة للحدود، وتنامي الحاجة إلى فاعلين قادرين على المساهمة في الاستقرار الإقليمي، ومن هذا المنطلق تبرز هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً على ثقة إفريقية متجددة في الرؤية المغربية، وعلى رغبة في إسناد أدوار محورية للمملكة ضمن هندسة الأمن القاري.
-اعتراف إفريقي
يرى العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، ومدير المجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن انتخاب المغرب لعضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي، وعلى مستوى متقدم داخل مؤسسات الاتحاد، لا يمكن اعتباره إجراءً عادياً أو مجانياً، بل هو تعبير صريح عن اعتراف إفريقي بالدور الذي تضطلع به المملكة في قضايا السلم والأمن.
وأبرز الوردي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الانتخاب يعكس تقديراً لسياسات المغرب التي يقودها الملك محمد السادس، وما ترتكز عليه من توجهات تستهدف خدمة القضايا الإفريقية المشتركة.
وأكد أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، على أن هذا الاعتراف يرتبط أيضاً بصورة المغرب داخل القارة باعتباره جزءاً عضوياً من البيت الإفريقي، وليس فاعلاً هامشياً أو ظرفياً.
وأوضح أن التصويت لصالح المملكة المغربية يعكس تمسك الدول الإفريقية بعمقها المشترك، وبقناعة مفادها أن المغرب يشكل مكوناً أصيلاً من المنظومة القارية.
وأشار إلى أن هذه الدينامية تعكس رغبة إفريقية في تثمين التجربة المغربية في تدبير ملفات الأمن والاستقرار، باعتبارها نموذجاً قائماً على التوازن بين المقاربة السياسية والتنموية، وهو ما يمنح هذا الانتخاب بُعداً رمزياً وسياسياً يتجاوز حدود التمثيل المؤسساتي.
-ثقة قارية
يبرز العباس الوردي أن حصول المغرب على أكثر من 34 صوتاً يمثل مؤشراً واضحاً على حجم الثقة التي تحظى بها المملكة داخل المنظومة الإفريقية.
وأردف مدير المجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن هذه النتيجة لا تعكس فقط دعماً رقمياً، بل تعبر عن قناعة جماعية بقدرة المغرب على الإسهام الفعلي في صياغة توجهات السلم والأمن على المستوى القاري.
وأضاف أن هذه الثقة ترتبط بالدور الذي ينتظر من المغرب أن يلعبه في مواجهة التحديات العابرة للحدود، وعلى رأسها الجريمة المنظمة، والنزعات الانفصالية، والتهديدات الإرهابية.
ولفت أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى أن الدول الإفريقية ترى في التجربة المغربية رصيداً يمكن توظيفه ضمن استراتيجية جماعية لتجفيف منابع هذه الظواهر.
وأكد على أن هذا الدعم يعكس تصوراً إفريقياً لدور محوري للمغرب في خلق مناخ مواكب للنهضة القارية، حيث يرتبط الأمن بالتنمية والاستقرار السياسي، وهو ما يجعل من عضوية المملكة في هذا المجلس أداة لتعزيز العمل الإفريقي المشترك.
-رؤية ملكية
يشدد العباس الوردي على أن هذا التطور ينسجم مع ما يصفه بالبراغماتية التي تميز التوجه الملكي في السياسة الإفريقية، حيث إن هذه المقاربة تقوم على تعزيز السلم، ونبذ الكراهية، وتشجيع قيم التعايش والإخاء، بما ينسجم مع تطلعات عدد من الدول الإفريقية.
ويرى أن بعض هذه الدول تنظر إلى المؤسسة الملكية، في بعدها الرمزي والديني، كعامل استقرار وقيمة مشتركة تعبر عن روح الانفتاح والاعتدال.
وأوضح مدير المجلة الإفريقية للسياسات العامة، أنه من هذا المنظور، يُفهم دعمها للمغرب باعتباره امتداداً لرغبة في ترسيخ خطاب يقوم على المحبة والتعاون وإنصاف القارة.
واستطرد أن هذه الرؤية الملكية تسعى إلى خلق نهضة إفريقية قائمة على الذات، قادرة على إحداث فارق تنموي وأمني، وهو ما ينسجم مع فلسفة العمل القاري المشترك التي تربط بين الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي.
-بُعد دولي
يلفت العباس الوردي إلى أن انتخاب المغرب لا ينفصل عن نظرة المنظومة الدولية للمملكة باعتبارها فاعلاً يحظى بقدر واسع من الإجماع، سواءً عبر المؤسسة الملكية أو من خلال الدبلوماسية الميدانية، فهذا الحضور يعزز صورة المغرب كشريك موثوق في قضايا السلم والأمن.
وأكد أن هذا التقدير الدولي ينعكس بدوره على الموقع الإفريقي للمملكة، حيث تتعزز الثقة المتبادلة بين المغرب وباقي الدول، في إطار رؤية تقوم على تحويل الالتزامات إلى أفعال ملموسة.
وأبرز أن هذا التفاعل بين البعدين الإفريقي والدولي يمنح المغرب هامشاً أوسع للمساهمة في بلورة مقاربات جماعية لمواجهة التحديات الأمنية، بما يخدم الاستقرار القاري.
-خارطة أمن
يوضح العباس الوردي أن عضوية المغرب في مجلس السلم والأمن الإفريقي تندرج ضمن خارطة متجددة للأمن القاري، تهدف إلى بناء إفريقيا أكثر استقراراً.
وأردف أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن هذه الخارطة تقوم على إنصاف القارة، وتعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات التي تتربص بأمنها الجماعي.
وأشار إلى أن هذا التوجه يعكس إرادة إفريقية في تطوير آليات مشتركة للتعامل مع الأزمات، مع منح أدوار وازنة للدول التي راكمت خبرات في مجال الوساطة والأمن، وفي مقدمتها المغرب.
واعتبر أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة المجلس، بمساهمة المغرب، على تحويل هذه الرؤية إلى سياسات عملية تضمن تقليص بؤر التوتر، وترسيخ ثقافة السلم داخل الفضاء الإفريقي.




تعليقات الزوار ( 0 )