عاد اسم المغرب ليحتل واجهة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا، بعد نشر مقال رأي للصحافي الإسباني ريكاردو دودّا أثار جدلا واسعا، عقب تناوله فرضية تورط الرباط في اختراق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز خلال أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين سنة 2021.
غير أن القراءة المتأنية لهذا الطرح تكشف أن الجدل الدائر في مدريد يتجاوز مسألة أمنية مفترضة، ليعكس بالأساس تعقيدات المشهد السياسي الإسباني وانقساماته الداخلية حول تدبير العلاقة مع جار استراتيجي بحجم المغرب.
ويربط المقال الإسباني بين واقعة اختراق مزعومة لهاتف رئيس الحكومة وزيارته لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين في ماي 2021، وهي الفترة التي شهدت توترًا غير مسبوق بين الرباط ومدريد عقب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي بهوية مزورة للعلاج من كوفيد-19، وهو القرار الذي اعتبرته الرباط آنذاك مساسًا بالثقة المتبادلة بين البلدين.
ويقدم الكاتب هذه الفرضية باعتبارها تفسيرا للأزمة السياسية التي أعقبت تلك المرحلة، غير أن السلطات المغربية نفت مرارا، في مناسبات سابقة، أي تورط في عمليات تجسس، مؤكدة رفضها القاطع لما وصفته بـ”اتهامات غير مدعومة بأدلة تقنية قاطعة”.
وبعيدا عن الجدل التقني المرتبط ببرامج التجسس، يبرز ملف الصحراء باعتباره المحور المركزي في التوترات الإسبانية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
فقرار مدريد سنة 2022 دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية شكّل تحولا استراتيجيا في الموقف الإسباني، أنهى عقودا من الغموض الدبلوماسي، لكنه في المقابل فجّر نقاشا داخليا حادا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية.
ويعكس المقال الإسباني هذا الانقسام، إذ يقدّم التحول في موقف مدريد باعتباره نتيجة ضغوط خارجية، بينما يرى مراقبون أن القرار جاء في سياق إعادة تقييم المصالح الاستراتيجية لإسبانيا، خصوصا في ملفات الهجرة والأمن الطاقي والتعاون الاقتصادي.
ورغم نبرة الانتقاد الحادة التي تبناها الكاتب، فإن العلاقات المغربية الإسبانية أظهرت خلال السنوات الأخيرة قدرة واضحة على تجاوز الأزمات الدبلوماسية.
وعاد التعاون الأمني والاقتصادي إلى مستويات مرتفعة، وسجل التنسيق في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود نتائج وصفتها مدريد نفسها بالإيجابية.
ويؤكد خبراء العلاقات الدولية أن العلاقة بين البلدين تحكمها معادلة واقعية تقوم على المصالح المتبادلة أكثر من السجالات الإعلامية، بالنظر إلى الترابط الجغرافي والاقتصادي والأمني بين ضفتي مضيق جبل طارق.
المقال الإسباني لم يقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل امتد لانتقاد أداء الحكومة الإسبانية وتعاملها مع الصحافة، في مؤشر على أن النقاش حول المغرب أصبح أحيانا أداة ضمن الصراع السياسي الداخلي. وهو ما يفسر، بحسب محللين، تكرار حضور المغرب في السجالات الحزبية والإعلامية كلما احتدمت الخلافات داخل المشهد السياسي الإسباني.
وتكشف هذه السجالات أن صورة المغرب في بعض الخطابات الإعلامية الإسبانية لا تنفصل عن السياق السياسي الداخلي لإسبانيا نفسها. فبين اتهامات التجسس، ونقاشات الصحراء، وانتقادات الأداء الحكومي، يبدو أن المغرب يتحول أحيانا إلى عنصر تفسير جاهز للأزمات السياسية المحلية، أكثر من كونه موضوعًا قائمًا على معطيات دبلوماسية مثبتة.
وخلص التقرير الإسباني، إلى أنه وبينما تستمر النقاشات الإعلامية في مدريد، يبقى الثابت أن العلاقات المغربية الإسبانية، بحكم تشابك المصالح الاستراتيجية، تتجاوز منطق الأزمات الظرفية، لتظل محكومة بضرورة التعاون والشراكة، مهما ارتفعت حدة الجدل السياسي والإعلامي.




تعليقات الزوار ( 0 )