تشكل تعهدات المغرب خلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام محطة سياسية ودبلوماسية لافتة، تعكس انتقال الدور المغربي من موقع الدعم التقليدي للقضية الفلسطينية إلى مساهمة مؤسساتية متعددة الأبعاد في تثبيت الاستقرار داخل قطاع غزة، وهذا التحول يأتي في سياق دولي معقد، حيث تتقاطع الاعتبارات الإنسانية والأمنية مع رهانات إعادة البناء وإطلاق مسار سياسي قابل للاستمرار.
وفي هذا الإطار، برزت المقاربة المغربية كحزمة متكاملة تجمع بين التمويل، والتكوين الأمني، والدعم الإنساني، تحت إشراف رؤية ملكية تجعل من استقرار غزة جزءاً من تصور أوسع للسلم الإقليمي، وهذه الدينامية تفتح نقاشاً حول طبيعة الدور المغربي.
-رؤية ملكية
يرى العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة جامعة محمد الخامس بالرباط، أن ما يجري يندرج ضمن رؤية ملكية راسخة تجعل من الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ثابتاً دبلوماسياً وأخلاقياً.
وأشار الوردي في تصريح لجريدة “الشعاع”، إلى أن المبادرة المغربية ليست طارئة، بل امتداد لمسار طويل يؤكد حق المقدسيين في الأمن والسلم والعيش الكريم، في انسجام مع المرجعيات القانونية الدولية والشرائع الدينية.
وشدد على أن رئاسة محمد السادس للجنة القدس تضفي بُعداً مؤسساتياً على هذا الالتزام، حيث يتحول الدعم إلى سياسة متكاملة تجمع بين البعد الإنساني والبعد الحقوقي.
وأوضح أن المغرب وفق هذا التصور، لا يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً خارجياً فقط، بل كجزء من منظومة قيمية تقوم على نصرة الحقوق الأساسية وصيانة الكرامة الإنسانية.
وشدد على أن الإطار المرجعي لحل النزاع، المرتبط بخط 1967، يظل حاضراً في المقاربة المغربية، بما يعكس توازناً بين الواقعية السياسية والوفاء للمبادئ.
ولفت أستاذ القانون العام، إلى أن هذه الرؤية تجعل من الانخراط في مجلس السلام تعبيراً عن استمرارية سياسية، لا مجرد استجابة ظرفية لتطورات ميدانية.
-شراكة استراتيجية
يصف الوردي اختيار المغرب شريكاً استراتيجياً أول داخل مجلس السلام بأنه نتيجة طبيعية لرصيد من الثقة والخبرة، مبرزاً أن العلاقة مع دونالد ترامب، في سياق قيادته للاجتماع الافتتاحي، تعكس بُعداً تاريخياً متجدداً في التعاون المغربي الأمريكي، قائم على المصداقية والتنسيق طويل الأمد.
وأبرز أن هذا الاختيار لا يُفهم كمنحة سياسية، بل كتتويج لمسار من الانخراط المغربي في قضايا الأمن الإقليمي ومحاربة التطرف، موضحاً أن المملكة راكمت تجربة مؤسساتية جعلتها شريكاً قادراً على المساهمة في تصميم وتنفيذ آليات الاستقرار، وهو ما يمنح حضورها داخل المجلس قيمة عملية تتجاوز الرمزية.
وأضاف أن مشاركة شخصيات أمريكية بارزة مثل “جي دي فانس” و”ماركو روبيو” في الاجتماع تؤكد الطابع الدولي للمبادرة، ما يضع المغرب داخل شبكة تعاون متعددة الأطراف، معتبرًا أن هذا الموقع يتيح له لعب دور الوسيط العملي بين متطلبات الأمن ومقتضيات إعادة الإعمار.
-بُعد أمني
في الشق الأمني، يعتبر الوردي أن تكليف عناصر من الشرطة المغربية بتدريب نظيرتها في غزة يمثل تشريفاً وتكليفاً في آن واحد، مبرزاً أن المغرب يمتلك خبرة معترفاً بها في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، ما يؤهله لنقل المعرفة وبناء قدرات محلية قادرة على تثبيت الاستقرار.
ويرى أن هذا الدور لا يقتصر على التدريب التقني، بل يشمل تأطيراً مؤسساتياً يهدف إلى ترسيخ ثقافة أمنية قائمة على احترام القانون وحماية المدنيين، مبرزاً أن بناء بنية أمنية فعالة يعد شرطاً أساسياً لتفادي تكرار دوامات العنف، ويمنح المجتمع المحلي أدوات إدارة الاستقرار ذاتياً.
واشار إلى أن انضمام ضباط مغاربة إلى قوة الاستقرار الدولية يعكس انخراطاً عملياً في حماية السلم، ضمن رؤية تربط بين الأمن الإقليمي والدولي، معتبراً أن هذا الحضور الميداني، ينسجم مع التزام المغرب التاريخي بدعم القضية الفلسطينية على قدم المساواة مع أولوياته الوطنية.
-بُعد إنساني
يؤكد الوردي أن الالتزام المغربي لا يقف عند البعد الأمني، بل يمتد إلى تمويل مباشر يعكس مسؤولية أخلاقية ومادية، كون المغرب أول دولة تقدم مساهمة مالية لمجلس السلام يترجم إرادة سياسية في تحويل التضامن إلى أفعال ملموسة تدعم إعادة البناء.
ولفت إلى أنه في هذا السياق، يبرز مشروع إنشاء مستشفى ميداني داخل غزة كترجمة إنسانية للرؤية الملكية، يهدف إلى معالجة الجراح الجسدية والنفسية للسكان، موضحاً أن هذه المبادرة تتجاوز الإغاثة العاجلة نحو بناء قدرات صحية محلية، بما يشمل تكوين الأطر وتعزيز البنية العلاجية.
وأكد على أن هذا البعد الإنساني يرتبط برسالة أوسع تقوم على نبذ الكراهية وتعزيز التعايش، مبرزاً أن المقاربة المغربية تجعل من العمل الصحي والاجتماعي جزءاً من استراتيجية سلام شاملة، تؤمن بأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان وكرامته.




تعليقات الزوار ( 0 )