تشير معطيات وتقارير دولية متطابقة إلى دخول ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة، تتجاوز منطق تدبير النزاع إلى السعي نحو حسمه سياسيا، في ظل دور أمريكي متقدم يقود مسار المفاوضات بعيدا عن الأضواء، وبمشاركة أطراف النزاع الإقليمي.
ووفق تقرير حديث لمجلة The Africa Report، احتضنت سفارة الولايات المتحدة في مدريد لقاءات وصفت بـ”الحاسمة”، لم تعد تندرج في إطار مشاورات تقنية، بل ضمن مسار سياسي استراتيجي يهدف إلى الدفع نحو تسوية نهائية لنزاع استمر لما يقارب خمسة عقود.
وبحسب المصدر ذاته، قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضع ثقلها الدبلوماسي خلف مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، باعتباره الإطار الوحيد القابل للتطبيق من أجل التوصل إلى حل سياسي دائم، وذلك في انسجام مع قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2797.
ولا ينظر إلى هذا التوجه الأمريكي على أنه دعم سياسي مجرد، بل باعتباره خيارا جيوسياسيا يخدم مصالح واشنطن الاستراتيجية، خاصة في ما يتعلق بتأمين الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وتعزيز الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
التطور اللافت، وفق التقرير، يتمثل في تزايد انسجام المواقف الأوروبية مع الرؤية الأمريكية، حيث بات الاتحاد الأوروبي ينظر إلى المبادرة المغربية باعتبارها إطارا واقعيا وعمليا للاستقرار، في سياق إقليمي يتسم بتنامي التهديدات الأمنية وتصاعد التنافس الدولي، خصوصا مع تمدد النفوذ الصيني والروسي في إفريقيا.
ويرى مراقبون أن هذا الاصطفاف يعكس تحولا في تعاطي العواصم الغربية مع الملف، من زاوية سياسية قانونية ضيقة إلى مقاربة أوسع تدمج الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.
وتشير المعطيات إلى أن المقاربة الأمريكية الجديدة تبتعد عن منطق الوساطة الأممية التقليدية، لتتبنى رؤية واقعية (Realpolitik) تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية: ضمان أمن واستقرار المجال المتوسطي والأطلسي، حماية سلاسل التوريد الاستراتيجية، خصوصاً الفوسفات والطاقة، ثم الحد من التغلغل الصيني في شمال وغرب إفريقيا
في هذا الإطار، لم يعد ملف الصحراء يطرح كقضية حدودية أو تاريخية، بل كعنصر مؤثر في توازنات النفوذ الدولي، حيث ينظر إلى المغرب كشريك موثوق وقادر على لعب دور محوري في الاستقرار الإقليمي.
التقرير ذاته أشار إلى تقديم المغرب وثيقة موسعة للحكم الذاتي، وصفت بـ”وثيقة السيادة”، تتضمن تصورا تفصيليا لكيفية تنزيل الحكم الذاتي على المستوى المؤسساتي والقانوني، وهو ما اعتبر نقلة نوعية في تعاطي الرباط مع الملف.
هذا التطور، وفق محللين، نقل النقاش من جدل حول مبدأ السيادة إلى نقاش عملي حول آليات التطبيق، في انسجام مع توصيف مجلس الأمن للمبادرة المغربية باعتبارها جادة وذات مصداقية.
في المقابل، تجد الجزائر نفسها، بحسب التقرير، أمام وضع دبلوماسي غير مسبوق، حيث باتت مشاركة مباشرة في مسار تفاوضي يتم تحت إشراف أمريكي واضح، بعد سنوات من التأكيد على أنها ليست طرفاً في النزاع.
وتؤكد مصادر مطلعة أن الرسالة الأمريكية الموجهة إلى جميع الأطراف واضحة: لا عودة إلى خيار الاستفتاء، ولا دعم لأي أطروحات انفصالية، مع اعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية سقفاً نهائياً للحل.




تعليقات الزوار ( 0 )