أخبار ساعة

01:07 - انسداد أفق الحوار بين المحامين ووهبي يدفع أصحاب “البذلة السوداء” للحديث عن التحكيم الملكي00:56 - صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان00:53 - التقاعد .. وأكذوبة استرح بعد الخدمة وأنعم بالصحة00:46 - المجال الأطلسي الإفريقي… عندما تعيد الطاقة رسم الجغرافيا السياسية23:42 - وزارة التعليم العالي تفند الشائعات وتؤكد صحة نجاح مترشح في مباراة كليات الطب23:34 - “ماتقيش ولدي” تثمن إطلاق حملة “منسكتوش” وتدعو لإجراءات عملية لحماية الأطفال22:48 - إبراهيم العسري رئيسا جديدا للوداد الرياضي خلفا لهشام أيت منا22:37 - خماسية ودية أمام الرأس الأخضر تنهي تحضيرات “لبؤات الأطلس” لنهائيات “كان 2026”22:05 - وزارة الخارجية تتابع بانشغال بالغ وفاة مواطن ببولونيا وتطالب إيطاليا بتحقيق شامل21:44 - المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تطالب سفير إيطاليا بفتح تحقيق نزيه في مقتل عبد الرحيم فقير
الرئيسية » مقالات الرأي » السِّلم في مرمى الضجيج

السِّلم في مرمى الضجيج

لم يكن انعقاد المؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم حدثًا عابرًا في أجندة اللقاءات الفكرية، بل كان اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد القارة لأن تُعيد تعريف أولوياتها. وحين يختار بعضهم أن يواجه خطاب السِّلم بضجيجٍ رقميٍّ منظم، فذلك في حد ذاته اعترافٌ بأن الفكرة أصابت موضعها.

لقد بدا واضحًا أن مجرد رفع السِّلم إلى مرتبة الخيار الاستراتيجي أزعج تياراتٍ اعتادت أن تُقدّم الصراع بوصفه قدرًا محتومًا، وأن تُسوّق للاشتباك الدائم باعتباره علامةَ الحيوية والالتزام. هؤلاء لا يرون في الهدوء قوة، ولا في الاستقرار قيمة، بل يقيسون التأثير بقدر ما يُحدثونه من صخب. ومن هنا جاء انخراط أذرعٍ رقمية مؤدلجة في حملات تبخيس وتشكيك، تُحاول أن تُفرغ المؤتمر من مضمونه، أو تُحوّل رسائله إلى مادةٍ للسخرية والاتهام.

غير أن المشكلة ليست في نقدٍ علميٍّ رصين، فالنقاش الفكري حقٌّ مشروع، بل في اختزال المسألة إلى معادلةٍ تبسيطية: إمّا صراعٌ دائم، أو تنازلٌ عن المبادئ. هذه الثنائية تُغفل حقيقة أن السِّلم في الرؤية الإسلامية ليس ضعفًا، بل انضباطٌ أخلاقيٌّ يحفظ الدماء ويصون الأوطان. والتمسّك بالدولة الوطنية ليس خضوعًا، بل إدراكٌ أن الفوضى لا تُنتج إصلاحًا، وأن انهيار المؤسسات يفتح الباب أمام ما هو أخطر.

إن القارة الإفريقية، بما تحمله من تنوعٍ عرقيٍّ ودينيٍّ وثقافي، لا تحتمل مزيدًا من خطابات التأجيج. لقد أنهكتها نزاعاتٌ طويلة، واستنزفتها مشاريع عابرة للحدود لا ترى في الدولة سوى عقبة. لذلك تبدو الحاجة ملحّة إلى خطابٍ دينيٍّ يُعيد ترتيب المفردات: من مفردات التحريض إلى مفردات التعايش، من لغة التخوين إلى لغة التعارف، من منطق الغلبة إلى منطق العقد.

في هذا السياق، لم يكن المؤتمر مجرد منصةٍ للحديث عن السِّلم، بل مساحةً لإعادة بناء المعجم الديني نفسه. فحين يُستعاد مفهوم الرجاء بوصفه طاقةً عملية، وحين يُفهم حفظ النفس على أنه أصلٌ لا يُستثنى منه أحد، وحين يُقدَّم التعايش باعتباره امتدادًا لمقاصد الشريعة، فإن الخطاب الديني يتحرر من الانفعال، ويتجه نحو الرشد.

والمفارقة أن الحملات الرقمية التي حاولت التشويش لم تُفلح إلا في إبراز أهمية ما جرى. فلو كان الخطاب هامشيًا، لما استدعى كل هذا الاستنفار. إن مقاومة فكرة السِّلم تكشف أن ثمة من يستثمر في استمرار التوتر، وأن منطق الصراع بالنسبة إليه ليس أزمةً بل موردًا.

لكن إفريقيا، في عمقها الاجتماعي، تميل إلى السِّلم أكثر مما يُظن. شعوبها التي عانت من الحروب تدرك أن التنمية لا تنبت في أرضٍ مضطربة، وأن الشباب لا يجد أفقه في بيئةٍ يغلب عليها الاضطراب. ومن هنا تتأكد ضرورة خطابٍ دينيٍّ هادئ، لا يستفز ولا ينفعل، بل يُخاطب العقول والضمائر معًا.

إن مواجهة فكرة حتمية الصراع لا تكون بالردّ على كل تعليقٍ عابر، بل بالثبات على مشروعٍ يرسّخ الاستقرار. فالسِّلم، حين يُبنى على وعيٍ راسخ، لا تهزه موجات الضجيج. وهو في إفريقيا اليوم ليس ترفًا نظريًا، بل حاجةٌ ملحّة تتجاوز حدود المؤتمرات إلى واقع المجتمعات.

على هامش المؤتمر الإفريقي للسِّلم، بدا المشهد واضحًا: بين من يرى المستقبل ساحةً مفتوحة للاشتباك، ومن يراه مجالًا لإعادة البناء. وبين الضجيج الهادر، ظلّ صوت السِّلم أكثر رسوخًا، لأنه يخاطب حاجةً حقيقية في وجدان القارة.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان

22 يوليو 2026 - 12:56 ص

     ليست السياسة مُجرَّد وقائع تتوالى على صفحات التاريخ، ولا هي أخبار تتناقلها وسائل الإعلام ثُمَّ تنقضي بانقضاء يومها، بلْ

التقاعد .. وأكذوبة استرح بعد الخدمة وأنعم بالصحة

22 يوليو 2026 - 12:53 ص

ثمة صورة سائدة في مجتمعنا تتعلق بنظرات الشفقة والرأفة للمتقاعدين والمتقاعدات على اعتبار أجلهم المهني والوظيفي قد انتهى وفائدتهم الاجتماعية

المجال الأطلسي الإفريقي… عندما تعيد الطاقة رسم الجغرافيا السياسية

22 يوليو 2026 - 12:46 ص

تشهد القارة الإفريقية تحولًا نوعيًا في مفهوم الأمن الطاقي؛ فلم تعد مشاريع الطاقة تُقاس بحجم الاحتياطيات أو طول خطوط الأنابيب،

تسمية الشوارع المغربية بين الهوية الوطنية والانفتاح الدبلوماسي

21 يوليو 2026 - 3:02 م

أثارت بعض الأنباء والتقارير حول إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة المغربية الرباط جدلاً

الكولابس والانهيار الكبير هل يدفعنا الذكاء الاصطناعي لتدمير أنفسنا

21 يوليو 2026 - 1:22 م

في أمسية فكرية استثنائية احتضنتها مدينة القنيطرة ضمن اللقاء الافتتاحي لصالون البروفيسورة مريم آيت أحمد الفكري تقاطعت الرؤى وتشابكت الهواجس

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°