بين ملاعب حديثة تتهيأ لاحتضان آلاف الجماهير في الرباط والدار البيضاء وطنجة، وأخرى مجرد فضاءات ترابية في هوامش القرى والمناطق الجبلية، تتجلى مفارقة عميقة في مسار التنمية الرياضية بالمغرب.
فبينما يراهن البلد على الرياضة كأداة إشعاع دولي ورافعة للتنمية، يطرح هذا المسار أسئلة ملحّة حول قدرته على تقليص الفوارق الترابية، أو على العكس، تكريس نموذج تنمية بسرعتين.
وبحسب تقرير تحليلي لمؤسسة “فريدريش ناومان من أجل الحرية”، ونُشر بتاريخ 12 يناير 2026 ضمن محور “الإنصاف الترابي”، فإن الاستثمارات الرياضية الكبرى، المرتبطة خصوصًا بالتحضير لكأس العالم 2030 وكأس إفريقيا للأمم 2025، تحمل في طياتها فرصًا حقيقية للتحديث، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على مخاطر تعميق الاختلالات المجالية القائمة، إذا لم تُواكب بسياسات عمومية منصفة وشاملة.
رهان المونديال: استثمار ضخم بطموحات كبرى
ومنذ إعلان الملك محمد السادس، في يوليوز 2023، عن الترشح المشترك للمغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030، دخل المغرب مرحلة تسارع غير مسبوقة في إنجاز المشاريع الكبرى.
وتحديث الملاعب، تطوير شبكات النقل، توسيع المطارات، وبناء محطات لتحلية المياه، كلها أوراش تعكس رؤية تسعى إلى ترسيخ موقع المملكة كجسر بين إفريقيا وأوروبا وقطب إقليمي للاستقرار والنمو.
وتُقدّر الكلفة المباشرة لتنظيم المونديال بنحو 52 مليار درهم، في حين يُتوقع أن تتجاوز الكلفة غير المباشرة هذا الرقم بكثير. ويُعوَّل على هذه الاستثمارات في تحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الجاذبية السياحية، غير أن عدداً من الخبراء الاقتصاديين يحذرون من الانسياق وراء التفاؤل المفرط، مشيرين إلى مخاطر تضخم الميزانيات، وهشاشة الأثر الاقتصادي طويل الأمد، خاصة في ما يتعلق بالتشغيل والسياحة.
فوارق ترابية عميقة تكشفها الأرقام
وبعيدًا عن الواجهة الرياضية، تكشف المعطيات الرسمية عن خريطة اقتصادية غير متوازنة. فحسب المندوبية السامية للتخطيط، تُنتج ثلاث جهات فقط – الدار البيضاء سطات، الرباط سلا القنيطرة، طنجة تطوان الحسيمة – قرابة 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام، بينما لا تتجاوز مساهمة جهات داخلية مثل درعة تافيلالت وبني ملال خنيفرة 8 في المائة.
ولا تتوقف هذه الفوارق عند حدود الناتج الاقتصادي، بل تمتد إلى مستوى الدخل الفردي، حيث يبلغ متوسط الدخل السنوي للأسر في الوسط الحضري أكثر من 103 آلاف درهم، مقابل حوالي 56 ألف درهم فقط في العالم القروي.
كما يظهر الخلل بوضوح في الولوج إلى الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة، إذ تعاني بعض الجهات من خصاص حاد في الأطر الطبية مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.
الرياضة مرآة لاختلال التنمية
وفي هذا السياق، تصبح الرياضة مرآة تعكس اختلالات أعمق في النموذج التنموي. فبناء ملاعب بمواصفات عالمية في المدن الكبرى، في مقابل غياب أبسط البنيات الرياضية في المناطق الهامشية، يغذي شعورًا متزايدًا بالإقصاء، خاصة لدى فئة الشباب.
وقد عبّرت حركات احتجاجية حديثة، من بينها تحركات شبابية ومسيرات قادمة من المناطق الجبلية، عن هذا الإحباط، من خلال مقارنة سرعة تشييد الملاعب ببطء تحسين الخدمات العمومية الأساسية.
وقد سبق للملك محمد السادس أن نبّه، في خطابه أمام البرلمان في أكتوبر 2025، إلى أن مستوى التنمية المحلية يشكل “المرآة الحقيقية لتقدم المغرب”، داعيًا إلى برامج تأهيل ترابي لا تقتصر على المدن المستضيفة للتظاهرات الكبرى، بل تشمل مختلف جهات المملكة.
دروس من التجارب الدولية
وتُظهر التجارب الدولية أن التظاهرات الرياضية الكبرى ليست بالضرورة وصفة جاهزة للتنمية المتوازنة. ففي البرازيل، فجّرت نفقات كأس العالم 2014 موجة احتجاجات واسعة بسبب تهميش الخدمات الاجتماعية، وفي روسيا، أثارت الألعاب الأولمبية في سوتشي وكأس العالم 2018 تساؤلات حول جدوى الاستثمارات الضخمة وأثرها المستدام. وهي نماذج تحذّر من أن غياب رؤية منصفة قد يحوّل الرياضة من أداة توحيد إلى عامل تعميق للفوارق.
نحو رياضة مندمجة وعدالة مجالية
وأمام هذه التحديات، يبرز رهان تحويل كأس العالم 2030 من مجرد حدث رياضي إلى رافعة حقيقية للعدالة الترابية. ويتطلب ذلك توسيع دائرة الاستفادة من الاستثمارات، عبر تطوير البنيات الرياضية المحلية في القرى والمناطق شبه الحضرية، ودعم ولوج الشباب من المناطق المهمشة إلى مراكز التكوين، ومنحهم فرصًا متكافئة للاحتراف.
كما يشمل هذا التوجه تمكين الساكنة المحلية من الاستفادة الاقتصادية المباشرة، من خلال إدماجها في سلاسل الخدمات المرتبطة بالتظاهرات الرياضية، وتشجيع المبادرات المحلية في مجالات النقل، الإطعام، والتنظيم.
أكثر من كرة قدم
وفي المحصلة، لا تكمن قيمة كأس العالم في عدد الملاعب أو حجم الاستثمارات، بل في قدرتها على إحداث أثر اجتماعي ومجالي عادل.
فإذا نجح المغرب في جعل هذه التظاهرة رافعة لتنمية شاملة، فقد تتحول إلى لحظة تاريخية لتقليص الفوارق، وتعزيز الثقة، وتقوية اللحمة الوطنية. أما إذا أُديرت بمنطق التمركز، فقد تعيد إنتاج نفس الاختلالات التي طالما أرهقت مسار التنمية.




تعليقات الزوار ( 0 )