في مواجهة تاريخية اتسمت بأعلى درجات التوتر والإثارة على ملعب “نيويورك نيوجيرسي”، نجح المنتخب الإسباني في إنهاء حقبة هيمنة نظيره الأرجنتيني على الكرة العالمية، وتوج بلقب كأس العالم 2026 للمرة الثانية في تاريخه، بعد مباراة ماراثونية حسمت في الشوط الإضافي الثاني بهدف نظيف، ليعيد “لا روخا” كتابة سيناريو مونديال 2010 التاريخي ويجرد “التانغو” من لقبه المحقق في قطر 2022.
ومنذ إطلاق الحكم السلوفيني سلافكو فينتشيتش صافرة البداية، فرضت كتيبة المدرب لويس دي لا فوينتي أسلوبها الأكثر تنظيما من خلال الاستحواذ على الكرة والبحث عن الثغرات بين الخطوط، بينما اعتمدت توليفة ليونيل سكالوني على التكتل الدفاعي المنظم والارتداد الهجومي السريع بقيادة ليونيل ميسي وخوليان ألفاريز، وهي المحاولات التي تحطمت مرارا أمام تألق الحارس الإسباني أوناي سيمون.
وجاء التهديد الحقيقي الأول مبكرا بعد خمس دقائق فقط، إثر تبادل كروي سريع بين لامين يامال وداني أولمو، أجبر الحارس إميليانو مارتينيز على تصدٍ بطولي من مسافة قريبة، قبل أن يعود يامال ليهدد المرمى مجددا بتمريرة من رودري الذي فرض إيقاعه الكامل على خط الوسط، بمؤازرة هجومية نشطة من الجبهة اليسرى عبر أليكس باينا، وميكل أويارزابال، ومارك كوكوريا الذي لم يتوقف عن التقدم للأمام.
ومع مرور الوقت، تحولت المباراة إلى صراع بدني عنيف زاد من صعوبته جفاف الأرضية غير المستوية ودرجات الحرارة المرتفعة، وسط خشونة متبادلة وتغاضي الحكم عن تدخل قوي ضد يامال، قبل أن يشهر البطاقة الصفراء في وجه الأرجنتيني ليساندرو مارتينيز الذي اضطر لمغادرة الملعب مصابا قبل نهاية الشوط الأول ودخول نيكولاس أوتاميندي بدلا منه.
وواصل الإسبان زحفهم قبل الاستراحة، حيث أنقذ الحارس مارتينيز تسديدة قوية من أويارزابال، تلتها قذيفة من كوكوريا مرت بمحاذاة القائم، لينتهي الشوط الأول بسلبية النتيجة وشبه غياب للخطورة الأرجنتينية باستثناء ومضات فردية لميسي وألفاريز.
ولم يختلف المشهد في الشوط الثاني، حيث تواصل الاستحواذ الإسباني والنهج البدني القوي للأرجنتين، خصوصا بعد الدفع بالبديل لياندرو باريديس الذي نال إنذارا سريعا بعد ضربه لرودري بدون كرة، مما أشعل سلسلة من المشادات التي قطعت رتم اللعب.
ورغم التوقفات، شددت إسبانيا خناقها وسدد باينا كرة بعيدة المدى، فيما أبعد الحارس الأرجنتيني بصعوبة تسديدة أرضية مخادعة من داني أولمو، وكثف الثلاثي كوكوريا وبيدرو بورو وباو كوبارسي من الضغط عبر الكرات الثابتة والركنيات المتتالية.
وفي محاولة لإنعاش التشكيلة، أجرى دي لا فوينتي تغييرات جوهرية بدخول بيدري وفيران توريس، ثم نيكو ويليامز وميكل ميرينو، بينما حاول سكالوني احتواء الضغط بإشراك ناهويل مولينا، وفاكوندو ميدينا، وجوليانو سيميون.
وشهدت الدقائق الأخيرة من الوقت الأصلي قمة الإثارة بضربة رأسية من توريس استقرت في يد مارتينيز، وفرصة أخرى للمدافع أيميريك لابورت، قبل أن تنقلب الموازين تماما في الوقت المحتسب بدل الضائع بطرد النجم الأرجنتيني إنزو فرنانديز بالبطاقة الصفراء الثانية إثر تدخل متهور على كوبارسي، لتخوض الأرجنتين الوقت الإضافي بعشرة لاعبين.
واستمر التعادل السلبي وحالة الحذر في الشوط الإضافي الأول، لكن الدقيقة 106 من الشوط الإضافي الثاني حملت لحظة الانفجار التاريخي؛ حيث أرسل بيدرو بورو عرضية متقنة نحو القائم البعيد، ارتقى لها البديل نيكو ويليامز وتحت ضغط الدفاع، مررها برأسه ذكية إلى عمق منطقة الجزاء، لينقض عليها البديل الآخر فيران توريس ويسددها بقوة مرتدة بقدمه اليسرى داخل سقف الشباك، كاسرا تعادلا استمر لأكثر من 100 الدقيقة ومشعلا مدرجات ملعب نيويورك.
وبهذا الهدف القاتل، دخل فيران توريس سجل الخالدين باعتباره ثاني لاعب إسباني يسجل في نهائي كأس العالم بعد الأسطورة أندريس إنييستا عام 2010، وأول لاعب بديل يحرز هدفا في النهائي المونديالي منذ الألماني ماريو غوتزه في مونديال 2014 ضد الأرجنتين أيضا.
ولم يكن الاندفاع المتأخر لكتيبة “التانغو” كافيا للعودة في الدقائق الأخيرة، لتطلق الصافرة النهائية معلنة تتويج إسبانيا بطلا للعالم لعام 2026 دون تلقي أي خسارة طوال البطولة، ومستعيدة الكأس الغالية بعد غياب دام 16 عاما.


تعليقات الزوار ( 0 )