أعطى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت تعليماته للمفتشية العامة للإدارة الترابية، التابعة للوزارة، من أجل الشروع في افتحاص شامل للصفقات العمومية التي أطلقتها الجماعات الترابية، وذلك على خلفية تقارير توصلت بها الوزارة تفيد بتسجيل اختلالات وتلاعبات خطيرة، مع الاشتباه في تورط عدد من رؤساء المجالس الجماعية ومنتخبين في قضايا تبديد واختلاس أموال عمومية.
وذكرت مصادر أن وزارة الداخلية، إدراكا منها للدور المحوري الذي تضطلع به الصفقات العمومية للجماعات الترابية في تنشيط الاقتصاد الوطني والمحلي ودفع عجلة التنمية، جعلت هذا الورش في صلب سياستها الرامية إلى تكريس مبادئ الشفافية وحسن تدبير المال العام، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الطلبيات العمومية.
ورغم الإصلاحات التي عرفها نظام الصفقات العمومية، خاصة بعد صدور المرسوم الجديد ودخوله حيز التنفيذ منذ حوالي سنة ونصف، فإن الممارسة العملية أبانت، بحسب المصادر ذاتها، عن استمرار عدد من الإكراهات والنقائص التي تطبع مختلف مراحل إنجاز الصفقات على مستوى الجماعات الترابية، بداية من مرحلة الإعداد وصولا إلى التسليم النهائي للأشغال، سواء بسبب مقتضيات النص القانوني المؤطر أو بفعل تعقيدات الواقع الميداني.
وفي هذا السياق، وحرصا على تحسين فعالية الصفقات العمومية المحلية وضمان حسن تدبير الموارد العمومية والمساهمة في التنمية المحلية والإدماج الترابي، أعدت وزارة الداخلية مشروع مرسوم خاص بصفقات الجماعات الترابية، يراعي خصوصيات الشراءات العمومية وتنفيذ المشاريع على المستوى المحلي، ويهدف إلى تجاوز الإكراهات التي يطرحها تطبيق المرسوم الحالي من قبل المصالح اللاممركزة.
وقد تم إعداد هذا المشروع بتشاور مع أصحاب المشاريع بالجماعات الترابية، الذين قدموا ملاحظاتهم واقتراحاتهم إلى المديرية العامة للجماعات الترابية، استنادا إلى دورية وزير الداخلية عدد 1142 بتاريخ 28 أبريل 2025، وذلك بغية تبسيط مساطر إعداد وإسناد الطلبيات العمومية المحلية، في إطار احترام مبادئ الإشهار والمنافسة النزيهة واختيار العرض الأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
وكشفت تقارير توصلت بها وزارة الداخلية عن وجود اختلالات متعددة في تدبير الصفقات العمومية بعدد من المجالس الجماعية عبر مختلف جهات المملكة، من بينها إقصاء متنافسين دون مبررات قانونية، وإسناد صفقات أشغال لمقاولات لا تتوفر على مراجع تقنية كافية، والأداء مقابل أشغال غير مطابقة للشروط التعاقدية، فضلا عن عدم تفعيل الغرامات في حق المقاولات المخلة بالتزاماتها، وظهور عيوب في الأشغال المنجزة والمستلمة.
كما رصدت التقارير اختلالات في تدبير سندات الطلب، تمثلت في تركيزها لفائدة شركات بعينها، والإشهاد على إنجاز الخدمات قبل الالتزام بالنفقات وقبل التنفيذ الفعلي، إضافة إلى عدم استرجاع المبالغ الناتجة عن الفوارق المسجلة في برامج استثمار غير منجزة، خاصة في قطاع تدبير النفايات.
وأبرزت عمليات الافتحاص غياب الدراسات القبلية الضرورية قبل الشروع في إنجاز عدد من المشاريع موضوع الصفقات العمومية، حيث لوحظ عدم إنجاز الدراسات التقنية والتقارير التمهيدية الكفيلة بتحديد الكلفة الحقيقية للمشاريع وتركيبة تمويلها وآجال تنفيذها، مما يؤدي في الغالب إلى تعثر المشاريع وتأخر انطلاقها، فضلا عن إشكالات مرتبطة بالتنسيق مع المتدخلين الآخرين وتأخر الأشغال الطبوغرافية وتسليم التراخيص.
كما كشفت تقارير التفتيش عن تلاعبات في صفقات إنجاز الدراسات، حيث يعمد بعض رؤساء الجماعات إلى تخصيص اعتمادات مالية لإنجاز دراسات شكلية مرتبطة بمشاريع وهمية، كلفت خزينة الدولة مبالغ ضخمة، ومن المرتقب أن تحيل وزارة الداخلية عشرات الملفات المرتبطة بهذه القضايا على محاكم جرائم الأموال.
وفي السياق ذاته، سجل التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات اختلالات جسيمة في الصفقات المتعلقة بإنجاز الدراسات التقنية، من بينها غياب الدقة في تحديد موضوع الدراسات ومكوناتها وكلفتها التقديرية قبل الإعلان عن طلبات العروض، واعتماد معايير انتقاء غير موضوعية تمس بمبدأ المنافسة، فضلا عن تركيز هذه الصفقات لدى عدد محدود من مكاتب الدراسات، حيث تبين أن نسبة ضئيلة منها تستحوذ على أغلب الطلبيات العمومية في هذا المجال.
وكانت الحكومة قد أدخلت تعديلات على الإطار القانوني المنظم للصفقات العمومية، من خلال إصدار مرسوم يتعلق باللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، يهدف إلى تعزيز الحكامة المؤسساتية عبر إحداث مخاطب مؤسساتي موحد لتقديم الخبرة والاستشارة بشأن مساطر إبرام وتنفيذ ومراقبة وأداء الصفقات العمومية، إضافة إلى إحداث لجنة دائمة مختصة بدراسة شكايات المتعاقدين وإبداء الرأي في الإشكالات القانونية المرتبطة بتأويل النصوص وبنود دفاتر التحملات.




تعليقات الزوار ( 0 )