تشهد أسعار بعض مشتقات الحليب في الآونة الأخيرة موجة من التساؤلات والنقاشات الواسعة؛ خاصة في ظل التحسن النسبي الذي عرفه الموسم الفلاحي الحالي مقارنة بسنوات الجفاف المتتالية، حيث أعاد هذا الوضع إلى الواجهة سؤال العلاقة بين تكلفة الإنتاج الفعلية وبين الأسعار المعتمدة في السوق، ومدى انعكاس الدعم العمومي الموجه للقطاع على المستهلك والمنتج في آن واحد.
ويبرز هذا النقاش بشكل أكبر مع استمرار معاناة القدرة الشرائية للأسر المغربية من ارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي زيادة في المواد الأساسية محل تدقيق ومساءلة، فبين تحسن ظروف الإنتاج واستقرار أسعار اقتناء الحليب الخام من المنتجين، تتصاعد المطالب بضرورة توضيح الأسس التي تبنى عليها قرارات الزيادة في الأسعار، ومدى انسجامها مع واقع القطاع والدعم الذي يستفيد منه.
تحسن الموسم
يشير عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي والخبير في الإنتاج الحيواني، أن تقييم الزيادة التي طالت بعض مشتقات الحليب يقتضي أولا فهم الوضعية الحالية التي يعيشها مربو الأبقار ومنتجو الحليب، موضحا أن الموسم الفلاحي الحالي يعد أفضل بكثير مقارنة بالسنوات السبع الماضية التي اتسمت بالجفاف ونقص الموارد العلفية.
وأردف البوتشيشي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن التساقطات المطرية الجيدة ساهمت في خفض تكلفة عدد من الأعلاف الخشنة الأساسية التي تدخل في تغذية الأبقار الحلوب، وعلى رأسها التبن والفصة والشعير و”لونسيلاج”، وهي مكونات تشكل نسبة مهمة من النظام الغذائي للأبقار، كما تستعمل أيضا في فرش الإسطبلات.
وأوضح أن هذا الانخفاض في أسعار الأعلاف الخشنة انعكس إيجابا على كلفة الإنتاج، مؤكدا أن التكلفة ما تزال مرتفعة نسبيا لكنها أقل مما كانت عليه خلال السنوات الماضية، وهو ما يعني أن الظروف الحالية لا تشبه المرحلة التي عرفت ارتفاعا حادا في تكاليف التربية والإنتاج.
ثمن الحليب
فيما يتعلق بالأثمنة التي تؤديها الشركات المجمعة للكسابة، أوضح البوتشيشي أن هناك ثلاث فئات رئيسية تتعامل معها هذه الشركات؛ التعاونيات، والمربون الكبار الذين توفر لهم الشركات خزانات تبريد ويملكون أعدادا مهمة من الأبقار، ثم الوسطاء الذين يقومون بتجميع الحليب من صغار المنتجين.
وأبرز أن الأسعار تختلف حسب الجهة الموردة وجودة الحليب، خصوصا من حيث نسبة الحموضة ونسبة الدسم أو المواد الدهنية الموجودة في الحليب، إلا أن السعر المتداول حاليا يتراوح في الغالب بين 4.5 و5 دراهم للتر الواحد.
وأضاف أن هذا السعر لم يعرف زيادة حقيقية لفائدة الكساب، بل إن بعض المنتجين كانوا في فترات سابقة يتقاضون حوالي 6 دراهم للتر، بينما انخفض السعر حاليا إلى حدود 5 دراهم أو أقل، مع وجود حالات استثنائية فقط تصل فيها الأثمنة إلى 6 دراهم.
دعم الشركات
يشدد الخبير الفلاحي على أن الشركات التي أعلنت الزيادة في أسعار بعض مشتقات الحليب تستفيد بدورها من برامج الدعم العمومي الموجهة للقطاع، موضحا أنها تستفيد من دعم اقتناء الأبقار الحلوب ومن الدعم المباشر للأعلاف.
وأشار إلى استفادتها من منحة تصل إلى 6000 درهم عن كل بقرة حلوب مستوردة من سلالات مثل “الهولشتاين” و”المونبيليار”، إضافة إلى الدعم المخصص للعجلات المولودة حديثا والموجهة لإنتاج الحليب.
وأردف أن هذه الشركات قد تستفيد أيضا من أشكال أخرى من الدعم المرتبط بالمحروقات أو بالإعفاءات الضريبية والجمركية، معتبرا أن استحضار هذه المعطيات ضروري عند تقييم مشروعية أي زيادة في الأسعار.
من يستفيد؟
يتساءل البوتشيشي عن الجهة التي ستستفيد فعليا من هذه الزيادة، موضحا أنه لو كانت ستنعكس على دخل الكساب لكان الأمر قابلا للنقاش، إلا أن المنتجين لم يستفيدوا من أي رفع في سعر شراء الحليب الخام.
وأكد على أن الثمن الذي تتقاضاه الشركات من المستهلك ارتفع، في حين ظل السعر المؤدى للكسابة مستقرا أو أقل من مستويات سابقة، وهو ما يجعل الزيادة غير مرتبطة بتحسين وضعية المنتجين أو تعويضهم عن ارتفاع التكاليف.
ولفت إلى أن استمرار الشركات في الاستفادة من الدعم العمومي، بالتوازي مع رفع أسعار بعض المنتجات النهائية، يطرح إشكالا يتعلق بمدى تحقق الأثر الذي استهدفته الدولة من خلال برامج الدعم.
تحرير الأسعار
يعبر البوتشيشي عن انتقاده لسياسة تحرير الأسعار في القطاعات التي تستفيد من الدعم العمومي، معتبرا أنه لا يمكن ترك أسعار منتجات مدعمة تخضع بالكامل لمنطق السوق دون ضوابط تضمن حماية المستهلك.
وأوضح أن الهدف من الدعم العمومي هو الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في الأسعار؛ خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية للأسر المغربية وارتفاع تكاليف المعيشة في عدد من القطاعات.
وأشار إلى أن قطاع الحليب، رغم الصعوبات التي يواجهها، يعتمد أساسا على إنتاج محلي، وبالتالي فإن رفع الأسعار بشكل مفاجئ دون وجود ارتفاع واضح في تكاليف الإنتاج أو استفادة مباشرة للكسابة يظل أمرا غير مبرر.
دعوة للمراقبة
يدعو الخبير الفلاحي إلى تشديد المراقبة على المواد التي تستفيد من الدعم أو من الإعفاءات الضريبية والجمركية، معتبرا أن هذه المنتجات يجب أن تخضع لسقف سعري أو على الأقل لموافقة الجهات المسؤولة قبل إقرار أي زيادة.
وأكد عبى أن إعادة النظر في سياسة تحرير الأسعار أصبحت ضرورة بالنسبة للمواد المدعمة، حتى لا تتحول الإعفاءات والدعم العمومي إلى امتيازات لا ينعكس أثرها على المستهلك أو على المنتجين الصغار.
وفي تقديره، فإن الظرفية الاجتماعية الحالية، التي تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وشكاوى المواطنين من الغلاء، تجعل أي زيادة في مشتقات الحليب غير مبررة وغير مقبولة ما دامت لا تستند إلى ارتفاع فعلي في كلفة الإنتاج ولا تحقق استفادة مباشرة للكسابة.



تعليقات الزوار ( 0 )