تجد الجزائر نفسها، في الأسابيع الأخيرة، في قلب مقارنات سياسية لافتة أطلقتها أقلام ودراسات دولية، أبرزها تشبيهها بـ“فنزويلا إفريقيا”، في إشارة إلى مسار سياسي مأزوم، يتقاطع فيه الجمود الداخلي مع عزلة خارجية متنامية.
وأعادت هذه المقارنة، التي برزت بقوة بعد التطورات الدراماتيكية في فنزويلا مطلع يناير 2026، فتح نقاش واسع حول مستقبل النظام الجزائري وقدرته على التكيف مع تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
الكاتب والدبلوماسي البيروفي السابق ميغل أنخيل رودريغيز ماكاي يرى أن الجزائر، رغم ثقلها الجغرافي والديمغرافي في إفريقيا، تعيش مفارقة حادة: دولة غنية بالموارد، لكنها محكومة بمنظومة سياسية–عسكرية مغلقة، حافظت على جوهرها منذ الاستقلال سنة 1962. منظومة، بحسب هذا الطرح، نجحت في إعادة إنتاج نفسها بعد كل أزمة، لكنها فشلت في بناء عقد سياسي متجدد مع المجتمع.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن حراك 2019 لم يكن حدثًا عابرًا في التاريخ السياسي الجزائري. فقد مثّل، حينها، لحظة كسر نادرة لحاجز الخوف، وفرض نهاية حكم عبد العزيز بوتفليقة.
غير أن الآمال التي علّقها الجزائريون على انتقال سياسي حقيقي سرعان ما اصطدمت بواقع مغاير، حيث أفضت المرحلة اللاحقة إلى تعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية بدل تقليصه.
ومنذ وصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة، ظل الخطاب الرسمي يركز على “الاستقرار” و”السيادة الوطنية”، في مقابل تضييق مستمر على الفضاء السياسي والإعلامي، وهو ما جعل قطاعات واسعة من الرأي العام تشعر بأن أسباب الغضب التي فجّرت الحراك لم تُعالج جذريًا، بل جرى احتواؤها مؤقتًا.
وخارجيًا، تعكس مواقف الجزائر في السنوات الأخيرة حالة توتر دائم مع محيطها الإقليمي والدولي. ويبرز ملف الصحراء باعتباره أحد أكثر القضايا استنزافًا للدبلوماسية الجزائرية، خاصة بعد تبني مجلس الأمن الدولي، في قراره الأخير، مقاربة تمنح أولوية واضحة لمقترح الحكم الذاتي المغربي.
وهذا التطور لم يُقرأ فقط كتحول قانوني أممي، بل كمؤشر على تغير موازين القوى الدبلوماسية، حيث وجدت الجزائر نفسها في موقع دفاعي، وسط تراجع دعم حلفاء تقليديين، وفتور واضح في مواقف موسكو وبكين، اللتين فضّلتا عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع التوجه الدولي الجديد.
ورغم وجاهة بعض أوجه المقارنة مع فنزويلا، يحذر مراقبون من إسقاطات مبسطة. فالجزائر ليست فنزويلا، لا من حيث البنية الاجتماعية ولا من حيث موقعها الجيوسياسي.
غير أن القاسم المشترك، كما يراه محللون، يكمن في اعتماد السلطة على خطاب خارجي صدامي لتبرير إخفاقات داخلية، وفي تحويل “التهديدات الخارجية” إلى عنصر تعبئة سياسية دائم.
كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية، وعودة الإضرابات القطاعية، وتزايد الهجرة غير النظامية، كلها مؤشرات على تصدع اجتماعي صامت، قد لا يأخذ شكل انفجار مفاجئ، لكنه يراكم شروط أزمة طويلة الأمد.
ويخلص صاحب المقال إلى أن الجزائر تبدو أمام مفترق طرق تاريخي: إما مراجعة عميقة لمسار الحكم، أو استمرار حالة الانتظار الثقيل، بكل ما تحمله من مخاطر سياسية واجتماعية




تعليقات الزوار ( 0 )