قال الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي الدكتور عمر الشرقاوي، إن بلاغ وزارة الخارجية الجزائرية عقب استقبال وزيرها، رمطان لعمامرة، للمبعوث الأمريكي مسعد بولس، خرج باردا وباهتا، خاليا من أي حمولة سياسية توحي بوجود “مخرج” لعزلة الجارة الشرقية.
وهذا البرود لم يكن صدفة، بل يعكس ما يمكن تسميته بـ”الذهول السياسي” الذي تعيشه الجزائر اليوم، وهي تجد نفسها محاصرة بمنطوق دولي جديد وواقعية أمريكية لا تعترف بالعواطف.
وأوضح عمر الشرقاوي، في مقال تحليلي له، أن الزيارة التي قام بها مستشار الرئيس الأمريكي السابق إلى الجزائر لم تكن مجرد مجاملة أو بروتوكول دبلوماسي تقليدي، بل جاءت في سياق تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي لم يعد يكتفي بالحديث عن “أطراف النزاع” بشكل فضفاض، بل وضع الجزائر أمام مسؤوليتها المباشرة كطرف رئيسي في العملية السياسية.
وبحسبه، فإن الجزائر تجد نفسها اليوم بين مطرقة الالتزام الأممي وسندان السياسة الأمريكية الجديدة، التي لا ترى حلا سوى دعم سيادة المغرب على أراضيه.
وفي هذا السياق، تعيش الدبلوماسية الجزائرية ورطة وجودية؛ فهي مطالبة بالجلوس إلى مائدة الحوار المستديرة التي يرفضها منطقها القديم، وهي مائدة لا تناقش سوى مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد للأزمة.
وفي المقابل، لا تزال أجنحة داخل النظام الجزائري تقتات على أحلام “تقسيم المغرب”، التي تجاوزها الزمن وفشلت تاريخياً. وهذا التمزق جعل الجزائر تخسر كل شيء: فهي لم تحافظ على مبدأ “حسن الجوار” الذي كان سيتيح لها آفاقا اقتصادية واسعة، ولا نجحت في فرض مخططاتها الانفصالية التي تحطمت على صخرة الواقع.
وعلى العكس، أثبت المغرب أن الدبلوماسية تحتاج إلى “نفس طويل”، وليست مجرد ردود أفعال انفعالية، واعتمد المغرب استراتيجية “الطبخ على نار هادئة”، رافضاً الانجرار وراء الاستفزازات أو الخطابات المتشنجة، وهو اليوم يجني ثمار هذا التوجه الواقعي من خلال اعترافات دولية متتالية بمغربية الصحراء ودعم صريح لمبادرة الحكم الذاتي من القوى العظمى، وتحول المقاربة الدولية من مجرد “إدارة النزاع” إلى “حسم الملف” لصالح المغرب.
وأشار الشرقاوي، إلى أن الجزائر باتت في موقف “مات الملك” (Échec et mat)، فالتراجع عن مواقفها السابقة سيكلفها داخليا أمام شعارات “المبادئ” التي سوقتها لعقود، بينما الاستمرار في العناد سيضعها في مواجهة مباشرة مع القوى الدولية ومصالحها الاستراتيجية.

وأضاف، أن الحقيقة التي تحاول الخارجية الجزائرية إخفاءها وراء لغتها الباردة، هي أن “زمن المناورات” انتهى، وأن الخروج من هذه الورطة لن يكون دون خسائر دبلوماسية وسياسية فادحة.
وخلص، إلى أن الدرس المستفاد من هذه الأزمة أن الصبر الاستراتيجي والدبلوماسية الواقعية تصنع الفارق في السياسة الدولية، وأن القوة الناعمة، المتمثلة في الثقة بالنفس والالتزام بالخطط المدروسة، تبقى أكثر تأثيراً من الشعارات والانفعالات العابرة.




تعليقات الزوار ( 0 )