يشير مفهوم التشاور العمومي إلى آلية مؤسساتية تهدف إلى تنظيم مشاركة المواطنين في عمليات اتخاذ القرار المرتبطة بالقضايا التي تؤثر في المجالين الاجتماعي والبيئي. ومن منظور سوسيولوجي، يُفهم التشاور العمومي باعتباره سيرورة تفاعلية بين الدولة والمجتمع تروم إدماج الفاعلين الاجتماعيين في النقاش حول المشاريع والسياسات العمومية، خاصة تلك التي لها أثر مباشر على المجال الترابي وعلى شروط العيش المشترك. وتقوم هذه السيرورة على مبدأ الحوار المسبق مع السكان والفاعلين المحليين، بما يسمح باستحضار آرائهم واقتراحاتهم منذ المراحل الأولى لتصميم المشاريع والبرامج العمومية. وبذلك يسعى التشاور العمومي إلى تجاوز منطق اتخاذ القرار الأحادي، والانتقال نحو نمط من التدبير العمومي يقوم على الانفتاح والتفاعل مع المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يمكن تعريف التشاور العمومي أكاديمياً باعتباره آلية مؤسساتية للحوار المنظم بين الدولة ومختلف الفاعلين الاجتماعيين، تهدف إلى إشراك المواطنين ومكونات المجتمع المدني في مناقشة وصياغة السياسات والمشاريع العمومية التي تؤثر في الحياة الجماعية، بما يعزز مبادئ الشفافية والمشاركة ويقوي الشرعية الديمقراطية للقرار العمومي. ولا يقتصر التشاور العمومي على مجرد استشارة شكلية، بل يتجاوز ذلك ليشكل فضاءً للتفاعل الاجتماعي تتقاطع داخله المصالح والتمثلات والقيم، حيث يسعى الفاعلون المختلفون إلى التعبير عن مطالبهم وتقديم تصوراتهم بشأن تدبير الشأن العام.
ويشكّل التشاور العمومي، في هذا السياق، أحد المداخل الأساسية لترسيخ الديمقراطية التشاركية وتعزيز جودة الفعل العمومي، باعتباره آلية تتيح توسيع دائرة المشاركة في صياغة السياسات العمومية وتدبير الشأن العام. فالتشاور لا يُختزل في كونه إجراءً إدارياً أو تقنية تواصلية بين الدولة والمجتمع، بل يمثل سيرورة اجتماعية تفاعلية تُفتح من خلالها فضاءات للنقاش العمومي وتبادل الآراء والخبرات بين الفاعلين المؤسساتيين ومكونات المجتمع المدني. ومن خلال هذه السيرورة يتم إدماج المعارف الميدانية والتجارب المجتمعية في عملية اتخاذ القرار، بما يعزز فعالية السياسات العمومية واستجابتها للحاجيات الفعلية للمجتمع. كما يسهم التشاور العمومي في ترسيخ قيم الشفافية والمساءلة وتقوية الثقة المتبادلة بين المؤسسات والمواطنين، الأمر الذي يسمح بالانتقال من منطق التدبير العمودي للسياسات إلى منطق الحكامة التشاركية القائمة على الحوار والتفاعل وتعدد الفاعلين.
وفي السياق المغربي، يكتسب هذا الورش أهمية متزايدة في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة، وتنامي دور الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل المجال العمومي. فقد أصبح المواطن اليوم أكثر حضوراً في النقاش العمومي وأكثر قدرة على التعبير عن مطالبه وانتظاراته، وهو ما يفرض تطوير آليات مؤسساتية جديدة لتنظيم هذا التفاعل داخل إطار ديمقراطي منظم. ومن هنا يبرز التشاور العمومي كأداة استراتيجية لتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولتعزيز المشاركة المواطنة في تدبير الشأن العام، انسجاماً مع المقتضيات الدستورية التي تؤطر مشاركة المجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية، وعلى رأسها ما نص عليه الفصل 13 من دستور المملكة المغربية.
وفي هذا الإطار، يحتل المجتمع المدني موقعاً محورياً داخل منظومة التشاور العمومي، باعتباره وسيطاً بين الدولة والمجتمع وفضاءً لتنظيم المبادرات الجماعية والدفاع عن القضايا المجتمعية. فالجمعيات والتنظيمات المدنية لا تكتفي بنقل انشغالات المواطنين إلى المجال العمومي، بل تساهم أيضاً في إنتاج المعرفة الاجتماعية حول التحولات المجتمعية، وفي بلورة البدائل والمقترحات التي يمكن أن تغني السياسات العمومية وتمنحها بعداً أكثر ديمقراطية وتشاركية. ومن خلال هذا الدور الوسيط، يسهم المجتمع المدني في توسيع المجال العمومي وتعزيز دينامية المشاركة داخل المجتمع.
وفي هذا الأفق، تندرج ديناميات الطريق الرابع ضمن المبادرات المجتمعية التي تسعى إلى تفعيل روح التشاور العمومي عبر خلق فضاءات للنقاش العمومي وتبادل الآراء حول قضايا المجتمع وتحولاته، وهو ما تجسده تجربة الجامعة الشعبية المغربية باعتبارها فضاءً للتفكير الجماعي والحوار المدني. فالتفاعل الحقيقي مع مختلف الفاعلين، والانخراط في ورشات التفكير والعمل، يعكس إرادة جماعية للمساهمة في بلورة تصورات ومقترحات عملية حول السياسات العمومية. وفي زمن يتسم بتنامي حالة اللايقين وتسارع التحولات المرتبطة.
يتبع






تعليقات الزوار ( 0 )