تشهد دول شمال إفريقيا في السنوات الأخيرة تحولات عميقة في أنظمتها الغذائية، في ظل تزايد الاعتماد على واردات الحبوب لتلبية الطلب الداخلي المتنامي.
فمع تسارع النمو السكاني، وتفاقم التغيرات المناخية، واشتداد الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة المياه، أصبحت مسألة الأمن الغذائي في المنطقة مرتبطة ليس فقط بالإنتاج الزراعي، بل أيضا بالتوازنات الاقتصادية والجيوسياسية. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كحالة لافتة ضمن معادلة معقدة تجمع بين الإنتاج المحلي والتقلبات العالمية في سوق الغذاء.
ووفق تقرير تحليلي حديث نشره المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية بعنوان “الحبوب والسلطة والسيادة: الجغرافيا السياسية لواردات الغذاء في شمال إفريقيا”، فإن دول المنطقة باتت تعتمد بشكل متزايد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية.
ويشير التقرير إلى أن المغرب يستورد أكثر من 50 في المائة من حاجياته من الحبوب، في حين تصل نسبة الاعتماد على الواردات إلى نحو 75 في المائة في الجزائر، وحوالي 70 في المائة في تونس، بينما تعتمد ليبيا على الخارج لتغطية ما يقارب 90 في المائة من استهلاكها من الحبوب.
ورغم هذا الاعتماد النسبي على الاستيراد، يظل المغرب من بين الدول الأكثر قدرة في المنطقة على تحقيق قدر من التوازن بين الإنتاج المحلي والواردات، بفضل قاعدة زراعية متنوعة واستثمارات طويلة الأمد في تحديث القطاع الفلاحي.
غير أن هذا التوازن يبقى هشا في سنوات الجفاف، التي تؤثر بشكل مباشر على المحاصيل الزراعية، خاصة الحبوب، ما يدفع الرباط إلى زيادة وارداتها لتأمين حاجيات السوق الوطنية.
ويرتبط هذا الوضع بعوامل بنيوية عدة، أبرزها محدودية الموارد المائية واعتماد جزء كبير من الزراعة على التساقطات المطرية، إضافة إلى الطلب المتزايد على الغذاء مع ارتفاع عدد السكان وتحسن مستويات الاستهلاك.
ولا يقتصر ملف الحبوب في شمال إفريقيا على بعده الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى المجال الجيوسياسي. فاعتماد دول المنطقة على استيراد القمح والزيوت والسكر يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق الدولية، كما يمنح الدول المصدرة الكبرى هامشا من التأثير في توازنات المنطقة.
وقد برزت هذه الهشاشة بوضوح خلال الحرب الروسية الأوكرانية سنة 2022، عندما شهدت أسعار القمح العالمية ارتفاعا كبيرا بعد تعطل صادرات البحر الأسود، التي كانت تمثل نحو 30 في المائة من تجارة القمح العالمية.
وارتفعت الأسعار آنذاك بما بين 30 و50 في المائة، ما شكل ضغطا كبيرا على ميزانيات دول شمال إفريقيا التي اضطرت إلى توسيع برامج الدعم للحفاظ على استقرار الأسعار.
وفي العديد من دول المنطقة، لا يمثل الخبز مجرد سلعة غذائية، بل يعد ركنا أساسيا في الاستقرار الاجتماعي والسياسي. ويشير الخبراء إلى ما يسمى بـ“العقد الاجتماعي للخبز”، حيث تعتمد الحكومات على دعم المواد الأساسية للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين وتفادي الاحتجاجات الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، وجدت حكومات شمال إفريقيا نفسها مضطرة إلى تحمل تكاليف إضافية ضخمة خلال أزمة الأسعار العالمية، عبر دعم استيراد الحبوب أو تثبيت أسعار الخبز والمواد الغذائية الأساسية.
وفي مواجهة هذه التحديات، يعمل المغرب خلال السنوات الأخيرة على تعزيز سياساته الزراعية الرامية إلى تقليص التبعية الخارجية تدريجيا.
وتشمل هذه الجهود الاستثمار في الزراعة الذكية مناخيا، وتطوير تقنيات الري الحديثة، وتشجيع أصناف المحاصيل المقاومة للجفاف، إضافة إلى تنويع مصادر الاستيراد لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاعتماد على موردين محددين.
كما تراهن الرباط على تطوير سلاسل القيمة الفلاحية وتعزيز الشراكات الدولية في مجالات التخزين والنقل الغذائي، إلى جانب دعم البحث العلمي الزراعي لمواجهة آثار التغير المناخي.
ورغم التقدم المسجل في تطوير السياسات الزراعية وتعزيز مرونة منظومة الغذاء، يؤكد الخبراء أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في شمال إفريقيا يبقى أمرا صعبا في ظل القيود المناخية والبيئية.
ومع ذلك، فإن تنويع مصادر الاستيراد، والاستثمار في الإنتاج المحلي، وتعزيز التعاون الإقليمي يمكن أن يشكلوا عناصر أساسية لبناء منظومة غذائية أكثر استقرارا في المستقبل.
وذكر التقرير، أن الأمن الغذائي في شمال إفريقيا لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل تحول إلى ملف استراتيجي يمس السيادة الوطنية والاستقرار السياسي، ما يجعل إدارة واردات الحبوب وبناء قدرات الإنتاج المحلي أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة في المنطقة، وعلى رأسها المغرب.




تعليقات الزوار ( 0 )