لم تعد مباريات كأس أمم إفريقيا مجرد مواجهات كروية داخل المستطيل الأخضر، بل تحوّلت إلى منصات عملية لاختبار الجاهزية الأمنية والتنظيمية للدول المستضيفة.
وفي هذا السياق، استقطبت مباراة المنتخب المغربي ونظيره الكاميروني اهتمام وفد أمني ألماني رفيع المستوى، حلّ بمركب مولاي عبد الله بالرباط لمعاينة النموذج المغربي في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى.

الزيارة، التي جرت في أجواء تنظيمية محكمة، جاءت في إطار مسار متواصل من التعاون بين الرباط وبرلين، يهدف إلى تبادل الخبرات في مجالات السلامة العامة، وتدبير الحشود، وحماية الفضاءات الكبرى خلال الأحداث ذات الطابع الدولي.
وركز البرنامج الميداني للوفد الألماني على تتبع السلسلة الأمنية منذ لحظة وصول الجماهير إلى محيط المركب. وقد تم الاطلاع على منظومة الانتشار الأمني الخارجي، التي تعتمد على نقاط مراقبة متعددة، وتنظيم دقيق لحركة السير، وآليات متقدمة لتوجيه الجماهير وتفادي الاكتظاظ، بما يضمن انسيابية الولوج واحترام شروط السلامة.

كما قُدمت للوفد شروحات تقنية حول أساليب التفتيش المعتمدة، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، في إطار مقاربة وقائية تهدف إلى الاستباق بدل التدخل بعد وقوع المخاطر.
وشكل مركز القيادة المتنقل إحدى أبرز محطات الزيارة، حيث اطّلع أعضاء الوفد على آليات اتخاذ القرار في الزمن الحقيقي، ودور التكنولوجيا الحديثة في دعم العمل الميداني.
وتم تسليط الضوء على استخدام الطائرات بدون طيار لمراقبة محيط الملعب، إلى جانب غرفة عمليات مركزية مرتبطة بمئات الكاميرات، تتيح تتبع أدق التفاصيل داخل المركب وخارجه.
وهذا التكامل بين العنصر البشري والتقنيات الرقمية مكّن، حسب الشروحات المقدمة، من رفع مستوى الجاهزية والتدخل السريع عند الضرورة، مع الحفاظ على سلاسة الحدث الرياضي.
وداخل الملعب، اطلع الوفد على أساليب تنظيم المدرجات، وتوزيع الجماهير، وتأمين الفضاءات الحساسة الخاصة باللاعبين والأطقم التقنية ووسائل الإعلام. كما تم عرض الإجراءات المعتمدة للحفاظ على الطابع الاحتفالي للمباراة، دون الإخلال بمتطلبات النظام والسلامة.

وأبرز المسؤولون المشرفون أن هذه المقاربة تقوم على تحقيق توازن دقيق بين الصرامة الأمنية واحترام تجربة المشجع، باعتبار الجمهور شريكًا أساسيًا في إنجاح التظاهرة.
وفي ختام الزيارة، عبّر الوفد الألماني عن ارتياحه لمستوى التنظيم والدقة التي تميز المنظومة الأمنية المغربية، معتبرًا أن التجربة تشكل نموذجًا عمليًا لتأمين التظاهرات الرياضية ذات الكثافة الجماهيرية العالية.

وتعكس هذه الزيارة، في سياقها العام، المكانة المتقدمة التي بات يحتلها المغرب في مجال الأمن الرياضي، في ظل استضافته لبطولات قارية ودولية كبرى، واستعداده المتواصل لمواكبة المعايير العالمية في التنظيم والسلامة.
وبين المنافسة داخل الملعب والعمل الهادئ خلف الكواليس، يواصل المغرب ترسيخ صورته كبلد قادر على الجمع بين الشغف الكروي والاحتراف الأمني، في معادلة باتت تحظى باهتمام متزايد من شركاء دوليين.



تعليقات الزوار ( 0 )