أكدت الأمم المتحدة إحراز تقدم سياسي “مشجع” في المشاورات المتعلقة بقضية الصحراء المغربية، التي احتضنتها العاصمة الأمريكية واشنطن يومي 23 و24 فبراير الجاري، في إطار المسار الأممي الهادف إلى التوصل لحل “واقعي وعملي وتوافقي” للنزاع الإقليمي.
وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن “المناقشات كانت معمقة وبنّاءة، واعتمدت أساسا على مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب”، في تصريح يعكس، وفق مراقبين، تموقع المبادرة المغربية في صلب العملية السياسية الجارية.
هذا التطور الجديد، يأتي في سياق تنزيل مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي تم اعتماده في أكتوبر 2025، والذي جدد التأكيد على جدية ومصداقية المبادرة المغربية، دون تقديم بدائل أخرى، ما يُفهم منه انتقال أممي واضح من منطق الاستفتاء إلى نموذج الحكم الذاتي التفاوضي.
وبحسب معطيات دبلوماسية، فإن أكثر من 100 دولة عبّرت، بشكل صريح أو ضمني، عن دعمها لهذا التوجه، وهو ما ترجم عمليا من خلال افتتاح قنصليات بعدد من العواصم في مدينتي العيون والداخلة، إلى جانب مواقف داعمة صادرة عن دول أوروبية وعربية.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وصف استئناف الاتصالات السياسية بأنه “خطوة إيجابية”، مستعملا نفس الصياغة الواردة في قرار مجلس الأمن، بما يعكس انسجام المسار التفاوضي مع الولاية الأممية المعتمدة.
وقد أشرف على جولة واشنطن المبعوث الشخصي للأمين العام للصحراء ستافان دي ميستورا، الذي واصل أداء دور الوسيط دون طرح تصورات بديلة عن المبادرة المغربية المقدمة للأمم المتحدة سنة 2007، مع التأكيد على ضرورة مواصلة الحوار ضمن آليات مؤسساتية منتظمة.
وشهدت الاجتماعات حضورا وازنا للولايات المتحدة، تمثل في مشاركة السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، إلى جانب مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس، ما عزز الطابع السياسي للجولة.
وشاركت الجزائر في هذه الجولة بتمثيلية رسمية يقودها وزير خارجيتها أحمد عطاف، بعدما كانت قد أعلنت سابقا الاكتفاء بدور “الملاحظ”، وهو ما اعتبر مؤشرا على تأثير الضغط الدبلوماسي الأمريكي لإشراك جميع الأطراف المعنية.
وخلال المباحثات، عرض الوفد المغربي، الذي ترأسه وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، تصورا مؤسساتيا يقوم على ثلاثية: برلمان جهوي، جهاز تنفيذي محلي، وإطار إشرافي سيادي.
في المقابل، أبدت الجزائر وجبهة البوليساريو تحفظات بخصوص آلية تعيين رئيس الجهاز التنفيذي، مقترحتين حصره في مسار انتخابي مرتبط بإحصاء سكاني محدد. غير أن الأمم المتحدة أكدت أن هذه الخلافات نوقشت ضمن إطار منظم دون تعليق الحوار.
وتشير الوثائق المتداولة إلى أن النموذج المقترح ينص على انتخاب الجهاز التنفيذي من طرف برلمان جهوي، مع تعيينه وفق الدستور المغربي من قبل الملك محمد السادس، إضافة إلى اعتماد إحصاء 1974 الإسباني كمرجع لتحديد الهيئة الناخبة، مع آليات لعودة اللاجئين المسجلين.
وتخلص جولة واشنطن إلى تكريس نمط تفاوضي جديد، يقوم على ثلاث ركائز: دعم دولي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، انخراط الجزائر في المسار السياسي، وإشراف أممي مباشر مدعوم بتأثير أمريكي واضح.
وانتقل ملف الصحراء من حالة الجمود والغموض إلى مسار سياسي منظم، بمعايير واضحة ودعم متعدد الأطراف، تعد فيه المبادرة المغربية الإطار العملي الوحيد المطروح للتوصل إلى حل توافقي ودائم للنزاع.




تعليقات الزوار ( 0 )