يكشف تقرير المندوبية السامية للتخطيط تخصيص المواطن المغربي دقيقتين فقط يوميا للقراءة الورقية مقابل استنزاف يتجاوز ثلاث ساعات في تصفح شاشات الهواتف الذكية.
ويتصادم العزوف المحلي مع مؤشرات القراءة العالمية حيث يخصص الفرد الأوروبي مائتي ساعة سنويا للقراءة المتنوعة وتتصدر الهند الترتيب بعشر ساعات أسبوعيا.
وفي هذا السياق، يكرس السلوك اليومي قطيعة مجتمعية فعلية مع الكتاب والمجلة والإصدارات العلمية لصالح محتوى رقمي سطحي.
كما يشتت الاستهلاك الافتراضي الانتباه ويضعف ملكة التركيز لدى فئات واسعة من الشباب والطلبة بمختلف مستوياتهم التعليمية.
ونتيجة لذلك، يعمق التوجه الاستهلاكي الفجوة بين الجامعة والمجتمع ويفرغ المؤسسات التعليمية من دورها التنويري المعهود منذ عقود. حيث يفضل الطالب الحديث الحصول على المعلومة الجاهزة والمختصرة عبر محركات البحث بدل الغوص في تفاصيل القضايا المعقدة من مصادرها.
ولا يقتصر العزوف المعرفي على العوام بل يشمل بشكل خطير طلبة الدكتوراه الذين يفترض فيهم إنتاج المعرفة وتطوير البحث الأكاديمي الرصين.
وتفرض التعديلات الحديثة لسلك الدكتوراه اجتياز وحدات تكميلية وتكوينات عرضانية عبر منصة موودل الرقمية لساعات زمنية طويلة.
ويساهم الإكراه التكنولوجي في إبعاد الباحثين الجدد من رفوف المكتبات الجامعية وقاعات المطالعة المباشرة مقابل انشغالهم بشاشات الحواسيب والهواتف. مما يعمق الهوة المعرفية بين دكتور المستقبل والمصادر المرجعية الأصلية ويكرس قطيعة تامة مع العادات الأكاديمية الكلاسيكية.
علاوة على ذلك، تتجاهل المنهجية المستحدثة أهمية الاحتكاك المباشر بالمصادر التاريخية والمراجع الفلسفية التي تتطلب قراءة نقدية متأنية ومطولة. ليفضي الاستبعاد الممنهج للكتاب الورقي المطبوع إلى تسطيح المعرفة وتحويل مشاريع الأطروحات إلى مجرد تجميع آلي للنصوص.
ميدانيا، تسجل شعب العلوم الإنسانية والاجتماعية تراجعا حادا وملموسا في المستوى المعرفي واللغوي والمنهجي لطلبة الدكتوراه الحاليين مقارنة بالأجيال السابقة. بينما تميز طالب الإجازة وسلك الدراسات العليا المعمقة خلال العقود الماضية بقدرة بلاغية عالية ومهارات متقدمة جدا في المواجهة الفكرية.
في المقابل، يفتقد دكتور المستقبل لهذه المقومات الأساسية مظهرا عجزا واضحا في صياغة الأفكار المترابطة وابتكار الحلول بعيدا عن القوالب الجاهزة. إذ يحضر الباحثون أطروحاتهم وهم يحملون طموحات نيل ألقاب أكاديمية خالية من أي عمق تحليلي أو رصيد معرفي صلب.
ويعجز الطلبة عن مناقشة النظريات السوسيولوجية والتاريخية والفلسفية المعقدة لافتقادهم رصيدا قرائيا يؤهلهم للغوص في التفاصيل الدقيقة.
ويتطلب استيعاب النظريات العلمية الرصينة قراءة متواصلة لأمهات الكتب وهو مسار يتعارض كليا مع ثقافة الملخصات الرقمية السائدة.
وتتجسد الفروقات الشاسعة بين الأجيال الجامعية بوضوح تام خلال جلسات المناقشة العلمية والندوات المفتوحة للعموم داخل المدرجات. فقد امتلك الطلبة الباحثون سابقا قدرات استثنائية في الارتجال الخطابي ومقارعة الحجة بالحجة وتفكيك الخطابات المركبة ببراعة ملحوظة.
أما طالب الدكتوراه الراهن فيعاني من فقر معجمي حاد وتلعثم متكرر عند محاولة الدفاع عن مشروع أطروحته بعيدا عن الشرائح الضوئية.
ويكتفي الباحث الحديث بسرد ميكانيكي لبيانات وأرقام جرى تجميعها بسرعة دون امتلاك القدرة على تأويلها نقديا أو سياقيا.
ويتجلى العجز بوضوح حين يطالب الباحث بتقديم قراءة لظاهرة اجتماعية أو سياسية خارج إطار بحثه المكتوب سلفا. ويفشل غالبية دكاترة المستقبل في صياغة موقف مفاهيمي متماسك يبرز استيعابهم للمناهج العلمية والمدارس الفكرية المتنوعة بشكل مستقل.
حتما، يفضي الضعف التواصلي والمعرفي الشامل إلى إنتاج نخب أكاديمية هشة غير قادرة على الانخراط الفعلي في النقاش العمومي. وينعكس القصور المنهجي مباشرة على جودة الأبحاث المنجزة التي باتت تتشابه في مواضيعها وتفتقر كليا للجرأة العلمية والابتكار.
ويبلغ الانحدار الأكاديمي مستويات غير مسبوقة مع لجوء فئة واسعة من الباحثين المسجلين حاليا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويعتمد الطلبة بشكل كلي على الخوارزميات الرقمية لإنجاز مهامهم العلمية والإدارية البسيطة وتجاوز عقبة الكتابة الشخصية.بل يصل الاعتماد التكنولوجي الأعمى حد استخدام التطبيقات لصياغة أبسط المراسلات وكتابة عبارات التحية والشكر لتضمينها في البحوث.
ويمتد الكسل الذهني نحو تلخيص المقالات العلمية الطويلة وبناء الفصول النظرية للأطروحات الجامعية بشكل آلي خالص ومفضوح.
وتفرز المسارات المختصرة نصوصا أكاديمية نمطية هجينة تفتقر لروح الإبداع واللمسة الشخصية للباحث وتغيب عنها البصمة الأسلوبية.
وتلغي التدخلات الآلية مجهود الطالب الفردي في بناء هيكلة البحث واختيار المناهج المناسبة وصياغة الإشكاليات العلمية بدقة وتجرد.
وهكذا، يكتفي طالب الدكتوراه بدور الناسخ والمعدل لنصوص تولدها خوارزميات مبرمجة سلفا تفتقد للروح النقدية والعمق الفلسفي المطلوب. ليتحول الباحث من منتج نشيط للمعرفة إلى مجرد مستهلك سلبي ومجمع لبيانات جاهزة تنتجها الآلة وتفتقد للدقة والتمحيص الأكاديمي.
ومن مظاهر التردي، يتجنب دكاترة المستقبل النزول إلى الميدان لجمع المعطيات وإجراء المقابلات المباشرة مع عينات الدراسة وتفريغ الاستمارات بشكل شخصي. ويفضلون الاعتماد على استبيانات إلكترونية توزع عشوائيا عبر تطبيقات التراسل الفوري للحصول على نتائج سريعة تفتقر للموثوقية العلمية.
ويفرز التوجه الاستسهالي دراسات كمية جافة تعجز عن رصد التفاعلات الإنسانية المعقدة وفهم الظواهر في سياقها الطبيعي. ويتجاهل الباحث الحديث الملاحظة بالمشاركة مفضلا الجلوس خلف شاشة حاسوبه لتوليد استنتاجات عامة لا تعكس الواقع الميداني الفعلي.
وبالموازاة مع ذلك، يعمد طلبة الدكتوراه إلى تحميل مئات المقالات بصيغ إلكترونية وتخزينها في حواسيبهم دون تكليف أنفسهم عناء قراءتها أو تمحيص محتواها.
ويتحول الباحث إلى مجرد جامع للملفات الرقمية التي تتراكم في مجلدات افتراضية عوض استثمارها في بناء إطار نظري متماسك ومقنع.
كما يقوم الباحثون باقتباس فقرات كاملة من دراسات سابقة مع إجراء تعديلات طفيفة على الكلمات لتجاوز برمجيات كشف الانتحال العلمي.
وتفرغ الممارسات التقنية البحث الأكاديمي من جوهره الأخلاقي وتحوله إلى عملية تجميع ميكانيكية تفتقد للنزاهة الفكرية والجهد الصادق.
وأمام هذه المعطيات، يصدم المتابع لجلسات تقييم الأعمال الجامعية بضعف التفاعل المباشر لطلبة الدكتوراه مع ملاحظات لجان المناقشة وتوجيهات الأساتذة الفاحصين.
ويلوذ الباحث بالصمت أو يقدم إجابات سطحية ومقتضبة تكشف عدم استيعابه المعرفي للموضوع الذي قضى سنوات في إعداده نظريا.
بذلك، يغيب السجال الأكاديمي الرصين الذي كان يميز الفضاء الجامعي لصالح استسلام تام للملاحظات المنهجية دون محاولة جادة للدفاع.
ويترجم الخضوع الفكري افتقار دكتور المستقبل للأدوات الحجاجية والمنطقية التي تبنى عادة عبر مسار طويل من القراءة النقدية.
رقميا، يتزامن التراجع الموثق مع غياب اسم المغرب تماما عن قائمة أفضل خمسمائة جامعة في تصنيف شنغهاي العالمي الأخير.
وتتذيل المؤسسات الجامعية المراتب المتأخرة جدا في مؤشر تايمز للتعليم العالي على المستويين الإقليمي والقاري رغم تضخم أعداد الباحثين.
وعليه، يتحمل القائمون على رسم السياسات التعليمية والجامعية تبعات إغراق المدرجات بمنصات استهلاكية تقصي الكتاب الورقي وتخرج باحثين عاجزين عن الابتكار. ليدفع مسار التنمية الوطنية ثمن المخرجات الرديئة التي تكرس تبعية المؤسسات الأكاديمية لنموذج رقمي تجاري أثبت فشله الذريع أكاديميا ومعرفيا.


تعليقات الزوار ( 0 )