احتشد صباح اليوم الأربعاء المئات من المواطنين وممثلي الهيئات المدنية أمام البوابة الرئيسية للمركب الاستشفائي الزموري بمدينة القنيطرة، استنكارا لقرار الاستقالة التي قدمها مدير المؤسسة البروفيسور ياسين الحفياني.
وتأتي هذه الخطوة الاحتجاجية الميدانية كرد فعل مباشر على تداعيات مغادرة المسؤول الطبي لمنصبه وتخليه عن مهام التسيير الإداري، مما خلف ارتدادات قوية داخل الأوساط المحلية بجهة الغرب وتخوفات من عودة التسيير العشوائي للمرافق الصحية.
تطالب الجماهير المحتجة بتدخل الجهات الوصية لرفض الاستقالة وتوفير ظروف العمل الملائمة للطاقم الإداري، معتبرين مغادرة الكفاءات الطبية ضربا للحق في التطبيب.
ويمهد هذا التراجع الإداري الطريق نحو عودة الممارسات الفاسدة التي نخرت القطاع لسنوات طويلة وأنهكت جيوب المرتفقين الوافدين من مختلف الجماعات الترابية المجاورة، خاصة عند استحضار السياق التاريخي للبنية الصحية بالإقليم حيث اعتمدت الساكنة لعقود على مستشفى الإدريسي المعروف محليا ب”سبيطار الغابة”.
تحولت المنشأة القديمة مع مرور الزمن وتقادم مرافقها إلى رمز للتردي الخدماتي ومرتع لممارسات إدارية غير سليمة شكلت إرثا ثقيلا يصعب اجتثاثه.
وشكل تعيين الحفياني نقطة تحول مفصلية في هذا السياق، إذ بادر بناء على تقييم ميداني دقيق إلى رفع تقرير استراتيجي للجهات المسؤولة يثبت عدم صلاحية البنيات القديمة وتجهيزاتها المتهالكة لاستقبال المرضى، مما عجل بصدور قرار الإغلاق المؤسساتي لمستشفى الإدريسي ونقل الخدمات كليا نحو المركب الاستشفائي الزموري الجديد.
اصطدمت هذه الإرادة الإصلاحية سريعا بواقع إداري وتنظيمي يتسم بالهشاشة وتجذر الممارسات البيروقراطية المقاومة لأي تغيير جوهري يمس مصالحها.
وأدى هذا التصادم المباشر إلى تقديم المدير لاستقالته الأولى قبل أشهر، لتتدخل الإدارة المركزية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية حينها لثني المسؤول عن قراره، مقدمة وعودا رسمية بتذليل العقبات اللوجستية وتوفير الموارد البشرية الكافية لضمان انطلاقة سليمة للمركب الجديد.
عادت الأزمة لتنفجر من جديد وبشكل أشد حدة عبر تقديم الاستقالة الثانية والنهائية خلال شهر شتنبر الحالي دون رجعة، بعد مرور فترة وجيزة على التسوية المؤقتة.
وربطت جريدة الشعاع الجديد الاتصال بمصدر إداري وطبي خاص من داخل ردهات المركب الاستشفائي الزموري لتقصي الحقائق، حيث كشف معطيات حصرية حول الأسباب الحقيقية التي دفعت الحفياني لرمي المنشفة ومغادرة منصبه الإداري نهائيا رغم الوساطات المتعددة.
تفيد المعطيات المستقاة من عين المكان بتسجيل تملص شبه تام للمديرية الجهوية والوزارة الوصية من التزاماتهما السابقة بخصوص دعم الطاقم الطبي وتعزيز الميزانية المخصصة للتسيير.
وتُركت الإدارة المحلية تواجه منفردة ضغطا بشريا هائلا يتجاوز الطاقة الاستيعابية للأطقم الطبية والتمريضية المتوفرة، خاصة داخل أقسام المستعجلات والإنعاش وأجنحة الجراحة الدقيقة التي تستقبل مئات الحالات يوميا.
أكد المصدر ذاته استمرار اللوبيات المستفيدة من العهد الماضي في عرقلة المساطر الإدارية الجديدة ومحاربة أي توجه نحو إرساء قواعد الشفافية.
وتتعمد بعض الأطراف داخل المنظومة الإقليمية خلق أعطاب مفتعلة في التجهيزات الطبية الحديثة، وتحديدا أجهزة الفحص بالأشعة والمختبرات المركزية للتحليلات الطبية، بهدف تبخيس المجهودات المبذولة ودفع المرتفقين نحو التوجه إجباريا صوب مصحات القطاع الخاص.
تبرز المفارقة الميدانية المحزنة داخل هذا المرفق العام بين ضخامة الاستثمارات المالية الموجهة لتشييد بناية حديثة بمواصفات هندسية متطورة، وبين الواقع البشري الهش.
ويولد الغياب الفادح للموارد البشرية المتخصصة القادرة على تشغيل أجهزة الفحص المتقدمة وغرف العمليات الجراحية ضغطا يوميا يترجم إلى طول لوائح الانتظار، مما يضع إدارة المستشفى في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع غضب المرتفقين وأسرهم بشكل يومي.
تتحمل الإدارة الاستشفائية لوحدها تبعات العجز الهيكلي الموروث عن سياسات التوظيف المحدودة، لتتحول مكاتب المسؤولين إلى خط تماس أول لامتصاص الغضب وتلقي الشكايات.
ويحرم هذا الوضع المتأزم مسؤولي الإدارة من التفرغ الفعلي لتطوير جودة الخدمات، وتنزيل برامج الرعاية الصحية المندمجة الموجهة لساكنة إقليم القنيطرة والمراكز القروية التابعة له وفق الأهداف المسطرة سلفا.




تعليقات الزوار ( 0 )