أعادت الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات بالمغرب الجدل إلى الواجهة بشأن حدود تدخل الدولة في سوق تم تحريره منذ سنوات، وسط تساؤلات متزايدة حول طبيعة العلاقة بين تقلبات السوق الدولية وانعكاساتها المباشرة على الأسعار الوطنية، وجاء هذا النقاش في ظل شعور متنامٍ لدى المستهلكين بضغط متزايد على القدرة الشرائية، خاصة مع تواتر موجات الغلاء.
وفي خضم هذا السياق، برزت مواقف متباينة حول مسؤولية الفاعلين في السوق، سواء تعلق الأمر بشركات التوزيع أو أجهزة المراقبة، أو حتى السياسات العمومية المعتمدة، ما يطرح إشكاليات مركبة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية، وتستدعي قراءة متأنية لمحددات تسعير المحروقات وآليات ضبطها.
-تحرير الأسعار
يعتبر بدر الزاهر الأزرق، أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن مسألة أسعار المحروقات في المغرب لا يمكن فصلها عن قرار تحريرها سنة 2015، وهو القرار الذي جعل هذه الأسعار خاضعة بشكل أساسي لمنطق العرض والطلب، سواء على مستوى السوق الدولية أو الوطنية.
وأشار الأزرق في تصريح لجريدة “الشعاع”، إلى أن سوق المحروقات لم يعد مؤطرًا بتسقيف مباشر من طرف الدولة كما كان سابقا، بل أصبح يتفاعل مع تقلبات الأسعار العالمية للنفط.
وأضاف أن هذا التحرير يرتبط كذلك بما يعرف بمنظومة المقايسة، التي تتيح نقل تأثيرات الأسعار الدولية بشكل شبه مباشر إلى السوق الداخلية.
وأوضح أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد أن أي ارتفاع أو انخفاض في أسعار النفط الخام عالميًا ينعكس بدرجات متفاوتة على الأسعار المطبقة محليًا، في إطار آلية يفترض أنها تعكس حقيقة السوق.
ولفت إلى أن الجدل المرتبط بالإعلان عن الزيادات قبل أو بعد توقيت معين لا يستدعي بالضرورة تدخل الحكومة أو مجلس المنافسة، إلا في حالة وجود شبهات تواطؤ أو خروقات صريحة لقانون المنافسة.
وفي السياق ذاته، شدد على أن الأصل في السوق المحررة هو ترك آلياتها تشتغل بشكل طبيعي، ما لم يتم تسجيل ممارسات منافية للقانون.
-تركيبة السعر
ينتقل الأزرق إلى تفكيك مكونات سعر المحروقات بالمغرب، موضحًا أن السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك لا يرتبط فقط بهامش ربح الموزعين، بل يتكون من مجموعة من العناصر المتداخلة.
وأردف أن أول هذه العناصر هو سعر شراء النفط الخام من الأسواق الدولية، والذي يعرف بدوره تقلبات مستمرة وقد تجاوز في بعض الفترات عتبة 100 دولار للبرميل.
وأضاف أن المغرب، بعد إغلاق مصفاة “سامير” سنة 2015، لم يعد يقوم بتكرير النفط محليًا، ما يعني أن تكلفة التكرير تضاف إلى سعر الشراء، وهو ما يساهم في رفع الكلفة النهائية.
ونبه إلى أنه تتدخل في تحديد السعر ضرائب متعددة، من بينها الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 10%، إلى جانب الضريبة الداخلية على الاستهلاك، والتي تشكل بدورها جزءًا مهمًا من السعر.
وأوضح أنه لا تتوقف عناصر التكلفة عند هذا الحد، إذ تشمل كذلك كلفة النقل البحري والتأمين، إضافة إلى مصاريف التخزين وتكاليف تشغيل محطات الوقود.
وبعد احتساب كل هذه المكونات، يأتي هامش ربح الموزعين، والذي يؤكد الأزرق أنه لا يتجاوز في أقصى تقدير حوالي درهمين، ما يبرز أن التركيز على الأرباح وحدها لا يكفي لفهم بنية الأسعار بشكل شامل.
-خيارات التدخل
فيما يتعلق بإمكانية التحكم في أسعار المحروقات، يرى الأزرق أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على هوامش الربح، بل يجب أن يمتد إلى المنظومة الضريبية.
وأشار إلى أن تقليص أو تعليق بعض الضرائب، ولو بشكل مؤقت، يمكن أن يساهم في تخفيف الأسعار، كما حدث في قطاعات أخرى مثل اللحوم الحمراء، حيث تم تعليق رسوم معينة لتقليص كلفة الاستيراد.
وغير أن تطبيق هذا الخيار على المحروقات يطرح بحسب الأزرق، إشكاليات أكبر، نظرًا لحجم المداخيل التي توفرها هذه الضرائب لخزينة الدولة.
ولفت إلى أن المحروقات تمثل موردًا ماليًا مهمًا، وأي تخفيض ضريبي قد ينعكس بشكل مباشر على توازن الميزانية العامة، خاصة إذا تم اعتماده لفترة تمتد لشهرين أو أكثر.
وفي هذا الإطار، يطرح الأزرق بدائل أخرى للنقاش، من بينها العودة إلى دعم مباشر لفئات معينة، مثل مهنيي النقل، أو الاستمرار في اختبار آليات تخفيف الضرائب بشكل مرحلي.
وأكد أن هذه الخيارات تظل في النهاية قرارات سياسات عمومية تخضع لتقديرات الدولة، بناءً على توازن دقيق بين متطلبات الحفاظ على المالية العمومية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
-دور الرقابة
على مستوى الإجراءات الرقابية، يشدد الأزرق على أهمية دور مجلس المنافسة في تتبع سلوك الفاعلين داخل سوق المحروقات، خاصة في ظل وجود شبهات مرتبطة بتركيز السوق وهيمنة عدد محدود من الشركات الكبرى.
وذكر أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد بأن المجلس سبق أن تدخل وفرض غرامات مالية مهمة على بعض شركات التوزيع، ما يعكس أهمية هذا الدور في ضبط السوق.
وأكد أن المرحلة الحالية، التي تعرف تقلبات في الأسعار، تستدعي يقظة أكبر من طرف المؤسسات الرقابية، لتفادي أي تواطؤ محتمل بين الموزعين أو ممارسات احتكارية قد تؤثر على الأسعار، مبرزًا أن وجود سوق يتميز بقلة الفاعلين يرفع من مخاطر التنسيق غير المعلن، ما يستدعي مراقبة مستمرة.
ونبه إلى ضرورة تتبع ما يعرف بآلية “الربط بالمؤشر” (Indexation)، أي مدى انعكاس تغيرات الأسعار الدولية على السوق الداخلية، فحين تنخفض الأسعار عالميًا، ينبغي أن ينعكس ذلك بسرعة على الأسعار المحلية، خاصة في ظل محدودية قدرات التخزين بالمغرب، وهو ما يجعل السوق أكثر حساسية للتقلبات.
ولفت إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في تحديد مستوى الأسعار، بل في ضمان شفافية آليات انتقالها من السوق الدولية إلى السوق الوطنية، مع تفعيل رقابة فعالة تمنع أي انحرافات، وتضمن في الآن ذاته انسجام الأسعار مع المعطيات الحقيقية للسوق.




تعليقات الزوار ( 0 )