لم يعد سؤال “الإسلاميون المغاربة… إلى أين؟“ مجرد عنوان لندوة فكرية، بل تحول إلى مدخل أساسي لفهم التحولات التي يشهدها الحقل السياسي المغربي بعد أكثر من خمسة عقود من الحضور المتواصل للحركات الإسلامية في المجال العام، وبعد تجربة سياسية وحكومية غير مسبوقة امتدت لعشر سنوات، أعقبتها متغيرات داخلية وإقليمية أعادت ترتيب موازين القوى وأولويات الفاعلين السياسيين، وطرحت أسئلة جديدة حول مستقبل المرجعيات الفكرية، وحدود العلاقة بين الدعوي والسياسي، وبين الدولة والتنظيمات ذات المرجعية الإسلامية.
وفي هذا السياق، نظمت جريدة الشعاع الجديد بمقرها بالرباط ندوة فكرية بعنوان “الإسلاميون المغاربة… إلى أين؟“، من إعداد وتقديم الإعلامي نورالدين لشهب، بمشاركة الدكتور عمر إحرشان، والدكتور عبد العلي حامي الدين، والدكتور رشيد مقتدر، والدكتور خالد البكاري، في لقاء اتسم بالنقاش الهادئ والرصين، وسعى إلى مقاربة الظاهرة الإسلامية المغربية من زوايا أكاديمية وسياسية وفكرية متعددة، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة أو المقاربات الاختزالية.
وفي تقديمه للندوة، اعتبر نورالدين لشهب أن صعود الحركات الإسلامية خلال العقود الأخيرة، سواء من خلال العمل الدعوي أو المشاركة السياسية، جعلها أحد أبرز الفاعلين في الحياة العامة بالمغرب، غير أن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، إلى جانب التغيرات الإقليمية والدولية، تفرض اليوم إعادة طرح السؤال حول موقع هذه الحركات ومستقبلها، خصوصا بعد تجربة المشاركة في تدبير الشأن العام، وما أفرزته من نجاحات وإكراهات، وبعد التحولات التي مست علاقة الشباب بالسياسة، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع الأدوار التقليدية للأحزاب والتنظيمات.
واستهل الباحث في العلوم السياسية الدكتور رشيد مقتدر النقاش بالتأكيد على أن مقاربة موضوع الإسلاميين تقتضي أولا تجاوز الأحكام الإيديولوجية واعتماد منهج علمي يميز بين مختلف الفاعلين المنتمين إلى هذا الحقل، مبرزا أن التجربة المغربية عرفت انتقال الإسلاميين من الفعل المجتمعي إلى المشاركة السياسية، قبل أن يصل أحد مكوناتها إلى قيادة الحكومة بعد دستور 2011.

واعتبر مقتدر أن هذه المشاركة شكلت محطة مفصلية في تاريخ الإسلاميين، لأنها نقلتهم من موقع المعارضة إلى موقع تدبير الشأن العام، وهو انتقال فرض عليهم تحديات جديدة تتعلق بإدارة الدولة والتفاعل مع المؤسسات أكثر مما يتعلق بالشعارات أو المرجعيات النظرية. وبرأيه، فإن الحديث عن نهاية الإسلاميين أو أفولهم لا يستند إلى قراءة دقيقة، لأن المرحلة الراهنة هي، في جوهرها، مرحلة أزمة وتكيف مع طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية التي يعيشها المغرب، وهي أزمة تشمل مختلف الفاعلين السياسيين، ولا تقتصر على التيار الإسلامي وحده.
ومن جهته، اعتبر الدكتور خالد البكاري أن الحركات الإسلامية تعيش اليوم مرحلة انتقالية عميقة يمكن وصفها بمرحلة المراجعات الفكرية، حيث لم تعد المفاهيم المؤسسة التي سادت خلال العقود الماضية قادرة وحدها على تقديم أجوبة عن الأسئلة الجديدة التي يطرحها الواقع.

وأوضح البكاري أن الإسلاميين انتقلوا تدريجيا من خطاب يركز على إقامة الدولة الإسلامية أو تطبيق الشريعة إلى خطاب يتحدث عن الدولة المدنية والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وهو تحول فرضته التجربة السياسية والاحتكاك بالواقع أكثر مما فرضته النصوص المؤسسة.
كما ناقش مفهوم “ما بعد الإسلاموية” الذي طُرح في عدد من الدراسات الغربية، معتبرا أن المقصود به ليس نهاية المشروع الإسلامي، وإنما انتقاله إلى مرحلة جديدة يعاد فيها التفكير في عناصره التأسيسية بما ينسجم مع التحولات المجتمعية والسياسية.
أما الدكتور عبد العلي حامي الدين فقد استهل مداخلته بإثارة نقاش مفاهيمي، معترضا على استعمال وصف “الإسلاميين”، ومؤكدا أنه يفضل الحديث عن تنظيمات سياسية تنطلق من مرجعية إسلامية، لأن الإسلام، في نظره، يشكل المرجعية الحضارية العامة للمغرب، وليس خصوصية لفئة سياسية بعينها.
واستعرض حامي الدين تطور الفكر الإصلاحي المغربي منذ الحركة الوطنية، معتبرا أن المرجعية الإسلامية كانت حاضرة في مختلف مشاريع الإصلاح السياسي قبل ظهور التنظيمات الإسلامية الحديثة، وأن هذه التنظيمات ليست سوى امتداد لمسار تاريخي طويل.

كما دافع عن تجربة حزب العدالة والتنمية، نافيا أن يكون قد تبنى يومًا مشروع إقامة دولة دينية، ومؤكدا أن مشاركته في المؤسسات جاءت من أجل الإصلاح في إطار الدولة الوطنية ومؤسساتها، وأن التراجع الانتخابي الذي عرفه الحزب سنة 2021 يدخل ضمن منطق التداول السياسي ولا يمكن اعتباره نهاية لمشروع سياسي أو فكري.
بدوره، اعتبر الدكتور عمر إحرشان أن السؤال المطروح على الإسلاميين ينبغي أن يوجه أيضا إلى مختلف التيارات السياسية، لأن العالم بأسره يعيش مرحلة تتسم بعدم اليقين وبالتحولات المتسارعة.
وأوضح إحرشان أن ما وقع داخل الحركات الإسلامية لا يمكن اختزاله في فكرة التراجع أو الانتهاء، بل هو تطور طبيعي يرافق أي تجربة سياسية طويلة.

وأكد أن جماعة العدل والإحسان، كما باقي الفاعلين، وسعت دائرة اهتمامها بالشأن السياسي دون أن تتخلى عن مرتكزاتها الفكرية، معتبرا أن الحديث عن “ما بعد الإسلاميين” سابق لأوانه، خصوصا في ظل استمرار حضور المرجعية الإسلامية في عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وما رافقها من عودة قوية للنقاش حول الهوية والدين في المجال العام.

وكشف النقاش، رغم اختلاف زوايا المقاربة بين المتدخلين، عن وجود قواسم مشتركة في قراءة خصوصية التجربة المغربية، إذ أجمع المشاركون على أن العلاقة بين الإسلاميين والدولة في المغرب تختلف عن تجارب عربية أخرى، وأن المؤسسة الملكية، بما تمثله من استمرارية تاريخية ودستورية، أسهمت في توفير إطار للاستقرار والتدرج في الإصلاح، وهو ما جعل التنظيمات الإسلامية تتطور داخل المؤسسات بدل الانزلاق إلى منطق الصدام الذي عرفته تجارب أخرى في المنطقة.
كما توقف النقاش عند تأثير التحولات الإقليمية، من تداعيات الربيع العربي، إلى الحرب على الإرهاب، مرورا بصعود التنظيمات الجهادية وانهيار بعضها، ثم التطورات التي شهدتها المنطقة بعد الحرب على غزة، حيث اعتبر المتدخلون أن كل هذه المتغيرات دفعت الحركات الإسلامية إلى إعادة النظر في كثير من أطروحاتها، سواء على مستوى الخطاب أو الأولويات أو طرق الاشتغال، وجعلت سؤال المراجعات الفكرية والتنظيمية حاضرًا بقوة داخل مختلف مكونات هذا التيار.
ولعل أهم ما ميز الندوة هو أنها لم تتعامل مع الإسلاميين باعتبارهم ظاهرة انتهت أو مشروعًا فشل، كما لم تقدمهم باعتبارهم الفاعل الوحيد القادر على إنتاج البدائل، وإنما حاولت مقاربة تجربتهم باعتبارها جزء من التحولات الكبرى التي يعيشها الحقل السياسي المغربي.
وبدا واضحا من خلال النقاش أن المجتمع المغربي تغير، وأن الدولة تطورت، وأن أدوات الفعل السياسي نفسها لم تعد كما كانت قبل عقدين أو ثلاثة، الأمر الذي يجعل مستقبل الإسلاميين مرتبطًا بقدرتهم على تجديد خطابهم، وقراءة التحولات المجتمعية، وإنتاج تصورات جديدة تستجيب لتحديات المرحلة.
وانتهت الندوة إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد هو ما إذا كان الإسلاميون قد نجحوا أو فشلوا، بل كيف يمكن لأي فاعل سياسي أن يعيد بناء مشروعه في ظل عالم يتغير بوتيرة متسارعة، ودولة تتجه نحو ترسيخ مؤسساتها، ومجتمع تتبدل أولوياته وقيمه.
وبين من وصف المرحلة بالأزمة والتيه، ومن اعتبرها انتقالا، ومن رأى فيها فرصة للمراجعة والتجديد، اتفق الجميع على أن الإسلاميين المغاربة يقفون اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، وأن مستقبلهم لن تحدده الشعارات أو الذاكرة التنظيمية، بقدر ما ستحدده قدرتهم على إنتاج فكر سياسي جديد، يوازن بين المرجعية والواقع، وبين الثوابت ومتطلبات التحول، في سياق مغربي يحتفظ بخصوصياته ويواصل البحث عن صيغ جديدة للإصلاح والاستقرار.
لمتابعة الندوة يرجى الضغط على الفيديو أسفله



تعليقات الزوار ( 0 )