لم تكن المسافة التي تفصل بين ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط وأحياء إقليم كتالونيا الإسباني عائقا أمام آلاف المغاربة المقيمين هناك، الذين عاشوا نهائي كأس أمم إفريقيا وكأنهم في قلب العاصمة المغربية.
ففي حي “روكافوندا” بمدينة ماتارو، تحوّل مقهى صغير إلى فضاء جماعي مشحون بالأمل، قبل أن ينتهي الليل على وقع خيبة ثقيلة وصمت بارد.
ومنذ ساعات ما قبل صافرة البداية، امتلأ مقهى “Familia LY 304” عن آخره. الكراسي اصطفت في صفوف ضيقة، والشارع المجاور امتلأ بالوجوه المتحمسة، بينما امتزجت روائح الحريرة بالشاي بالنعناع، في أجواء خالية من الكحول، تعكس طابعا مغربيا خالصا.
وبحسب الصحافة الإسبانية، فإن المكان ليس عاديا، فهو يقع في الحي الذي نشأ فيه نجم برشلونة لامين يامال، ويشرف عليه أحد أفراد عائلته، ليصبح مع مرور الوقت نقطة التقاء للمغاربة في المباريات الكبرى.
عبد الحليم، مهاجر من الرباط يقيم في الحي منذ نحو عقدين، يقول إن هذا المقهى بات “البيت الثاني” لمتابعة مباريات المنتخب رفقة أبناء الجالية.
ويضيف بثقة: “كرة القدم في المغرب تتطور بسرعة… لدينا ملاعب جديدة وفريق شاب قادر على الذهاب بعيدا، ليس فقط في إفريقيا بل عالميا”.
ومع عزف النشيد الوطني المغربي، تلاشى الفاصل بين الداخل والخارج. الأصوات القادمة من المقهى تداخلت مع تلك المنبعثة من الشارع، لتتحول “روكافوندا” إلى ما يشبه سفارة مغربية مفتوحة. غير أن هذه الحماسة سرعان ما اصطدمت بواقع مباراة معقدة أمام منتخب سنغالي قوي ومنظم.
وكشفت بداية اللقاء صعوبة المهمة، حيث تدخل الحارس ياسين بونو بشكل حاسم في الدقائق الأولى، مقابل عجز مغربي عن صناعة فرص حقيقية، أشعل نقاشات حادة بين الحاضرين. شبان يتنقلون بين العربية والإسبانية في التحليل، لكن عند لحظات التوتر، لا تخرج ردود الفعل إلا بلهجتهم الأم، في تعبير عفوي عن الانتماء.
انتهى الشوط الأول بلا أهداف، وسط توقعات بمباراة شحيحة التهديف. وفي الاستراحة، ظل القلق حاضرا رغم الأكواب المتتالية من القهوة. ومع انطلاق الشوط الثاني، جاء إهدار فرصة محققة ليغذي التشاؤم، قبل أن تصل الدراما ذروتها بركلة جزاء ضائعة قلبت الفرح المرتقب إلى صدمة جماعية.
ولم تمض دقائق حتى تلقى المنتخب المغربي هدفا حاسما، بدا معه أن السيناريو خرج عن السيطرة. بعض الرواد غادروا المقهى غاضبين، وآخرون بقوا مشدوهين، يحدقون في الشاشة غير مصدقين ما حدث. ومع نهاية الوقت الإضافي، كان الأمل قد تلاشى تماما.
وفي الخارج، الشوارع التي كانت تستعد لاحتفالات صاخبة بدت شبه خالية. المطر الخفيف زاد المشهد كآبة، وكأن الحي كله يشارك في الحداد الرياضي. لم يكن الحزن فقط على خسارة لقب قاري، بل على حلم جماعي عاشته الجالية المغربية في المهجر، لبضع ساعات، قبل أن يتبدد.
وتحول نهائي كأس إفريقيا، بالنسبة لمغاربة ماتارو، من موعد للاحتفال بالهوية والانتصار، إلى لحظة تأمل صامت في قسوة كرة القدم، تلك اللعبة التي توحد القلوب، لكنها لا ترحم الأحلام.



تعليقات الزوار ( 0 )