تدخل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة مرحلة مفصلية جديدة مع انعقاد محادثات رفيعة المستوى في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، في محاولة لاحتواء تداعيات الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، وسط هدنة هشة وانعدام ثقة متجذر بين الطرفين.
ويأتي هذا التطور في سياق تاريخ طويل من التوتر والصراع، بدأ منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والتي أنهت حكم الشاه محمد رضا بهلوي وحولت طهران من حليف وثيق لواشنطن إلى خصم استراتيجي يصف الولايات المتحدة بـ”الشيطان الأكبر”.
وشكلت أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران أول مواجهة مباشرة بين الطرفين، بعدما احتجز طلاب إيرانيون 52 دبلوماسيا أمريكيا لمدة 444 يوما، ما دفع واشنطن إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض عقوبات اقتصادية لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
وتصاعدت حدة التوتر خلال العقود اللاحقة، خاصة مع فرض الولايات المتحدة حظرا اقتصاديا شاملا على إيران في التسعينيات، قبل أن تصنفها إدارة الرئيس جورج بوش ضمن “محور الشر” عام 2002، في إطار الحرب على الإرهاب عقب هجمات 11 سبتمبر.
وفي الملف النووي، شكل الاتفاق الذي أبرم عام 2015 نقطة تحول مؤقتة، حيث وافقت إيران على قيود صارمة على برنامجها النووي مقابل رفع تدريجي للعقوبات. غير أن هذا المسار انهار بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 خلال ولاية دونالد ترامب، ما أدى إلى إعادة فرض العقوبات وتصعيد التوترات.
وتفاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق مع اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد مطلع عام 2020 بضربة أمريكية، ورد إيران بقصف قواعد تضم قوات أمريكية في العراق، ما أدخل المنطقة في مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة.
وفي عام 2025، بلغت المواجهة ذروتها مع اندلاع حرب استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، تدخلت خلالها الولايات المتحدة عسكريا واستهدفت مواقع نووية إيرانية رئيسية، في خطوة زادت من تعقيد المشهد الإقليمي وأثارت مخاوف من انزلاق نحو مواجهة أوسع.
وتصاعدت الأحداث مطلع عام 2026 بعد تنفيذ ضربات منسقة بين واشنطن وتل أبيب أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ما دفع طهران إلى الرد بإطلاق صواريخ على قواعد ومواقع في دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
وبعد أسابيع من التصعيد، توصل الطرفان إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين في أبريل 2026، عقب خسائر بشرية واقتصادية كبيرة. ويُرتقب أن تشكل مفاوضات إسلام آباد اختبارا حاسما لإمكانية تثبيت هذا التهدئة وتحويلها إلى اتفاق دائم.
ويرأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جاي دي فانس، في حين يقود الجانب الإيراني رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، وسط خلافات عميقة بشأن القضايا الجوهرية، وعلى رأسها البرنامج النووي، والعقوبات، وترتيبات الأمن الإقليمي.
ومع اقتراب موعد انتهاء الهدنة في 22 أبريل، تبدو هذه المفاوضات بمثابة فرصة أخيرة لتجنب عودة المواجهة العسكرية، في ظل تاريخ طويل من الصراع الذي يجعل أي تسوية شاملة رهينة بتنازلات صعبة من الجانبين.



تعليقات الزوار ( 0 )