في تقرير مطول يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، خصصت صحيفة “لوموند” الفرنسية حيزًا وازنًا لتسليط الضوء على ما وصفته بـ«النجاح الأمني غير المسبوق» للمملكة المغربية في تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025، معتبرة أن ما تحقق لم يكن مجرد تدبير تقني عابر، بل تعبير صريح عن صعود نموذج أمني متكامل تقوده مؤسسات أمنية واستخباراتية قوية وذات رؤية استراتيجية، تحت قيادة المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبداللطيف حموشي.
التقرير، الذي جاء بلغة دقيقة وموثقة، يضع التجربة المغربية في خانة النماذج المرجعية عالميًا في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى، مشيرًا إلى أن الرباط نجحت في فرض معادلة صعبة تجمع بين الصرامة الأمنية، والجاهزية الاستخباراتية، والانسيابية التنظيمية، دون المساس بحقوق الجماهير أو روح الاحتفال الرياضي. وتؤكد “لوموند” أن هذه النتيجة لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة تخطيط طويل الأمد، واستثمار ذكي في العنصر البشري والتكنولوجيا، وتنسيق محكم بين مختلف الأجهزة الأمنية.
وحسب الصحيفة الفرنسية، جند المغرب خلال البطولة منظومة أمنية متعددة الطبقات، اعتمدت على طائرات مسيرة لمراقبة الحشود ورصد أي سلوك غير اعتيادي، إلى جانب شبكة ضخمة من كاميرات المراقبة بلغ عددها نحو 6000 كاميرا، فضلاً عن إحداث مراكز شرطة داخل الملاعب ونصب محاكم متنقلة، ما مكّن من التدخل الفوري ومعالجة المخالفات في زمن قياسي. وتشير “لوموند” إلى أن المشجعين خضعوا لما بين خمسة وسبعة مستويات من التفتيش والفرز قبل الولوج إلى المدرجات، في إجراء يعكس مستوى عالٍ من الدقة والصرامة في إدارة المخاطر.
وتبرز الصحيفة أن أكثر من 3500 عنصر أمني تم تسخيرهم خصيصًا لهذا الحدث القاري، بعد إخضاعهم لتدريبات تخصصية عالية المستوى، شملت تدبير الحشود، والاستجابة السريعة للطوارئ، والتعامل مع التهديدات غير التقليدية. وتؤكد أن هذا الانتشار الميداني المكثف لم يكن منفصلًا عن العمل الاستخباراتي الاستباقي الذي تشرف عليه المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والذي مكّن من تحييد أي مخاطر محتملة قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.
ولعل ما منح التجربة المغربية بعدًا دوليًا إضافيًا، وفق “لوموند”، هو الزيارة اللافتة التي قام بها وفد رفيع المستوى من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، والذي تابع مباراتين من دور ثمن النهائي، في إطار مهمة رسمية تهدف إلى دراسة النموذج المغربي في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى، واستلهام عناصره قبل تنظيم كأس العالم 2026. وترى الصحيفة أن هذه الخطوة تشكل اعترافًا عمليًا بثقل الأجهزة الأمنية المغربية وبالكفاءة القيادية لعبداللطيف حموشي، الذي بات اسمُه حاضرًا في دوائر التعاون الأمني الدولي.
ولم يتوقف النجاح عند الجانب الوقائي، إذ تشير “لوموند” إلى أن المنظومة الأمنية المغربية شملت بعدًا زجريًا فعالًا، من خلال عمل اللجان القضائية الميدانية التي عالجت حوالي 150 مخالفة في آجال قصيرة جدًا، ما عزز الإحساس بالانضباط والطمأنينة داخل الملاعب ومحيطها. هذا الانضباط، تضيف الصحيفة، انعكس مباشرة على أجواء البطولة، وحظي بإشادة واسعة من اللاعبين والمسؤولين الرياضيين، من بينهم النجم المصري محمد صلاح، ورئيس الاتحاد الكاميروني لكرة القدم صامويل إيتو.
وتعتبر “لوموند” أن كأس الأمم الإفريقية 2025 شكّلت للمغرب اختبارًا حقيقيًا وبروفة عامة قبل الاستحقاقات العالمية المقبلة، وعلى رأسها التنظيم المشترك لكأس العالم 2030، مؤكدة أن خبراء دوليين أجمعوا على قدرة المملكة على إدارة التدفقات البشرية المعقدة، وتأمين الملاعب والبنيات التحتية الحديثة وفق أعلى المعايير الدولية. وتربط الصحيفة هذا النجاح بالرؤية الاستراتيجية التي تقودها الأجهزة الأمنية المغربية، والتي جعلت من الأمن رافعة أساسية للتنمية والصورة الدولية.
وفي السياق ذاته، توقفت “لوموند” عند تدشين مركز التعاون الشرطي الأفريقي بمدينة سلا، معتبرة إياه تجسيدًا عمليًا للدور القيادي الذي بات يلعبه المغرب في القارة الإفريقية، ليس فقط كمنظم للتظاهرات الكبرى، بل كفاعل مركزي في هندسة الأمن الإقليمي والدولي، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين الأحداث العابرة للحدود.
ويخلص التقرير إلى أن ما حققه المغرب في كأس الأمم الإفريقية 2025 يعكس ترسخ ما تسميه الصحيفة بـ«القوة الأمنية المغربية الجديدة»، وهي قوة تستند إلى مزيج دقيق من الاحترافية الميدانية، والنجاعة الاستخباراتية، والقيادة الصارمة والهادئة لعبداللطيف حموشي، ما جعل التجربة المغربية تحظى بإشادة متزايدة من عواصم أوروبية كبرى مثل باريس وبرلين ومدريد، التي ترى في الرباط شريكًا أمنيًا موثوقًا ونموذجًا متقدمًا في تأمين التظاهرات الدولية الكبرى.



تعليقات الزوار ( 0 )