تتجه الأنظار اليوم إلى مآلات المسار السياسي المرتبط بقضية الصحراء المغربية، في ظل دينامية دولية متسارعة، وتنامي الحديث عن الانتقال من مرحلة تدبير النزاع إلى مرحلة الحسم المؤسساتي عبر تنزيل فعلي لمبادرة الحكم الذاتي، وهذا التحول يضع الدولة أمام رهانات دستورية وتنظيمية كبرى، خاصة ما يتعلق بشكل الجهوية الموسعة وعدد أقاليمها وحدود اختصاصاتها.
وفي صلب هذا النقاش، تبرز إشكالية التمثيلية الحقيقية للصحراويين، والمعايير المعتمدة لتحديد أصحاب الصفة في المرحلة المقبلة، إلى جانب موقع التقسيم الجهوي الحالي من أي تصور مستقبلي لتوسيع الحكم الذاتي، وفي هذا السياق، حاورت “الشعاع” باني محمد ولد بركة، الأمين العام المؤسس لحزب الأمل، والعضو المؤسس لجبهة تحرير الوحدة سنة 1973 الخاصة باسترجاع الصحراء المغربية، وأحد المشرفين على تنظيم وتسيير وتأطير الوفود المشاركة في المسيرة الخضراء سنة 1975.

باني محمد ولد بركة
-كيف تقيمون مسار الحل السياسي في الظرفية الراهنة؟
الحل واضح في تقديري، من الآن إلى الاجتماع المرتقب في شهر مارس الجاري بالولايات المتحدة الأمريكية، ينبغي إعداد مسودة اتفاق تكون جاهزة للتوقيع في شهر أبريل القادم.
وهناك جهود متسارعة تقودها أمريكا من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي، والأمور تسير في الطريق الصحيح إلى حدود الساعة، ولقد قدمنا مذكراتنا كأحزاب وصحراويين مغاربة وجمعت في أربعين صفحة، وكل شيء يمضي بشكل جيد.
ويبقى بعض الغموض فقط بخصوص مسألة التصويت، لكن بطبيعة الحال سيصوت المواطنون من أجل إقامة حكومة إقليمية في إطار يشمل المغرب كاملاً، مثل الجهات الموسعة التي يمكن أن تتوسع أكثر لتعطي نتائجها.
-هل يعني ذلك أن الاتفاق بات قريبا رغم استمرار بعض الأطراف في إعلان الرفض؟
لا أستطيع إعطاء رأي حاسم، لأن الطرف الآخر لا يزال يدعي الرفض، لكنه في الحقيقة لا يرفض المقترح بقدر ما يطالب بمكاسب إضافية، والحكم الذاتي حل جيد، ويجب أن يدخلوا إلى جهاتهم ويبنوها ويندمجوا فيها، وهذه فرصتهم الأخيرة، وإذا ضيعوها سيضيع منهم كل شيء.
وعقدنا اجتماعا في الديوان الملكي مع مستشاري جلالة الملك ووزيري الداخلية والخارجية ورؤساء الأحزاب، وسارت الأمور بشكل جيد، لكن النتائج الرسمية لم تصدر بعد، ونحن ننتظر موافقتهم ليبدأ المغرب في التنزيل.
-ما الخطوة الأولى في تنزيل الحكم الذاتي كما تتصورونه؟
أول نقطة هي إدخال الحكم الذاتي في الدستور، ويجب أن يبدأ التطبيق من الأقاليم الجنوبية كمرحلة أولى، في إطار جهوية موسعة تشمل أربعة أقاليم كبرى، ثم يمكن تعميم التجربة لاحقا على باقي جهات المملكة، والرؤية الحقيقية هي بناء الوطن وترسيخ الوحدة الترابية.
وأنا قدمت مقترحات حول الحكم الذاتي منذ عشر سنوات، وكنت أقول: دعونا ننزله على أرض الواقع، من أراد الالتحاق فمرحبا به، ومن لم يرد فليتحمل مسؤوليته، والآن حان الوقت، والمغرب قدم تنازلات، وأمريكا لا يمكن أن تدخل هذا الملف وتخرج خاسرة، لذلك يجب أن يطبق المبدأ عمليا.
-هل لديكم تصور محدد لشكل الجهوية الموسعة وعدد الأقاليم؟
نعم، أرى أن 12 جهة كثيرة جدا من الناحية الميزانياتية، فوجود 12 جهة ببرلماناتها وحكوماتها واقتصادها أمر صعب، والأفضل أن يكون هناك أربع مناطق كبرى فقط بتنسيق مع الحكومة المركزية في الرباط.
وسبق أن اقترحت تقليص الجهات إلى تسع بدل 12 عبر ضم بعض الجهات إلى أخرى، لأن هناك ثلاث جهات زائدة، واليوم أرى أن جعلها أربع جهات كبرى سيكون أفضل وأخف على ميزانية الدولة وأكثر فعالية اقتصادية.
-ما هي الأقاليم الأربعة التي تقترحونها في إطار الجهوية الموسعة، وكيف تتصورون جغرافيتها؟
أنا أتحدث عن أربع مناطق كبرى تقوم على تجميع الجهات الحالية في أقطاب ترابية واسعة، لتكون أكثر انسجاما اقتصاديا وأخف من حيث الكلفة، إذ فيما يتعلق بالأقاليم الجنوبية، أرى أن يتم دمج المجال الممتد من كلميم إلى العيون والداخلة وباقي مدن الصحراء المغربية ضمن قطب جنوبي كبير، في إطار جهة موسعة واحدة قوية اقتصاديا.
وبالنسبة لباقي المملكة، يمكن تجميع جهات الوسط حول قطب الدار البيضاء، وقطب مراكش، وقطب الشمال أو الشرق، حيث يكون لكل من الأقاليم الأربعة ساحل وأرضي خصبة صالحة للزراعة ومناطق صناعية، بما يخلق أربعة أقطاب كبرى منسجمة جغرافيا واقتصاديا، بدل 12 جهة متفرقة، والهدف هو تقليص النفقات وتعزيز الفعالية، مع بقاء التنسيق مع الحكومة المركزية في الرباط.
-سبق أن طرحتم مقترحات إصلاحية في سياقات أخرى، هل من مثال؟
خلال انتخابات 2021، اجتمعت مع وزير الداخلية وقلت له إننا في حزب الأمل لسنا موافقين على اللائحة الوطنية التي كانت تمنح عملياً لثلاثة أحزاب فقط، بغض النظر عن عدد الأصوات التي حصلت عليها باقي الأحزاب، واقترحت أن يتم تقسيمها على 12 جهة لتصبح لائحة جهوية.
وبعد خمسة عشر يوما تم إبلاغنا بأن وزارة الداخلية ستسير مع مقترح حزب الأمل، وأصبحت اللائحة جهوية، ونحن في كل مرة نقدم فكرًا ونصيحة، ومن عمل بها فالله يعينه، ومن لم يعمل بها سيعود إليها مع الوقت.
-يثار جدل واسع حول من يمثل الصحراويين اليوم، كيف تحسم هذه المسألة؟
أي شخص، سواء في المغرب أو في البوليساريو، يريد أن يكون له أساس في هذا الشأن، يجب أن يكون مسجلاً في إحصاء 1974 الإسباني، لأنه المرجع المعتمد في قضية الصحراء، وهذه اللائحة هي التي تحدد أصحاب الصفة، سواء كانوا هنا أو في مخيمات تندوف.
وهناك متطفلون ليست لهم علاقة بالصحراء، لم يولدوا فيها ولم يعيشوا فيها، واستفادوا من مناصب ومشاريع وأراضٍ، ثم جاؤوا ليدعوا أنهم أصحاب الشأن، ونحن نعرف بعضنا البعض فرداً فرداً.
-كيف سيتم التعامل مع هذه الإشكالية عند بدء تطبيق الحكم الذاتي؟
عندما يحين وقت الحكم الذاتي ستتم مراجعة اللوائح؛ هل اسمك موجود في لائحة 1974، ما رقمك، وما حرف قبيلتك؟ إذا لم يكن الشخص مسجلاً أو ابناً أو حفيداً لمسجل فيها، فلن يقبل في التجربة الأولى للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية.
وحتى داخل قيادة البوليساريو، هناك من ليس مسجلاً في لائحة 1974، ولذلك لن يقبلوا، لا أقول إن الجميع كذلك، فإبراهيم غالي كان مسجلاً وكان يشتغل في الشرطة الإسبانية، لكن آخرين ليسوا كذلك، ونحن نعرف الأسماء واحداً واحداً.
واليوم المطلوب في نظري هو الحسم، من خلال إدراج الحكم الذاتي في الدستور، والشروع في تنزيله ضمن جهوية موسعة خاضعة للحكم الذاتي، تشمل أربعة أقاليم كبرى، وضبط مسألة التمثيلية في الأقاليم الجنوبية للمملكة وفق إحصاء 1974، بما يضمن أن يكون القرار بيد أصحاب الصفة الحقيقيين، في إطار بناء الوطن وترسيخ الوحدة الترابية.




تعليقات الزوار ( 0 )