يطل إدريس الروخ في رمضان 2026 بحضور متعدد الأبعاد، جامعًا بين الإخراج والتمثيل والكتابة، في موسم درامي يتسم باحتدام المنافسة وتنوع الرهانات الفنية، من خلال مسلسل “البراني”، الذي يغوص في أسئلة الهامش والانتماء، ومسلسل “اختياري” ذات الطابع الدرامي الاجتماعي، المستعرض لصراعات الأسرة المغربية وتحديات المرأة في مواجهة ضغوط المجتمع والقرارات المصيرية.
ويضاف لما سبق، مشروعه الدرامي الذي تحول عنوانه من “فطومة” إلى “بنت البلاد”، حيث تستعاد صورة المرأة المغربية بوصفها فاعلاً مؤسسًا للمعنى لا مجرد عنصر داخل الحكاية، مواصلاً بذلك اشتغاله على قضايا اجتماعية بعمق فلسفي ولمسة إخراجية ذات طابع تأملي.
وهذا الحضور التلفزيوني يتقاطع مع انشغاله الأدبي من خلال روايته الجديدة “الحفرة”، التي تطرح أسئلة وجودية حول الزمن والمدينة والذات، وتؤكد انتقاله من مجال الصورة إلى فضاء اللغة دون أن يفقد حسه السينمائي، وهو ما دفعنا من خلال هذا الحوار، لفتح نقاش مع إدريس الروخ حول خصوصية أعماله هذا الموسم، وطبيعة اشتغاله داخل البلاطو، ورهانات الكتابة الروائية، وحدود التوازن بين صخب التصوير وعزلة التأمل.
-ما الذي يميز أعمالكم هذا الموسم عن تجاربكم الرمضانية السابقة؟
ما يميز هذا الموسم ليس وفرة الأعمال بقدر ما هو وحدة السؤال الذي يسكنها جميعًا، وأشعر أنني هذه السنة كنت أبحث عن “المعنى الخفي للانتماء”، لا بوصفه هوية جاهزة، بل كاختبار وجودي دائم.
وفي “البراني” اشتغلت على مفهوم الهامش بوصفه قدرًا أنطولوجيًا، حيث إن هذا العمل الفني ليس فقط شخصًا خارج النسق الاجتماعي، بل هو الإنسان حين يشعر أن العالم لم يفصل على مقاس روحه، وهو ذاك الذي يسكن الجماعة لكنه لا يطمئن إليها، الذي ينتمي شكليًا لكنه يظل في عمقه غريبًا، وهنا يتقاطع الاجتماعي بالوجودي، ويتحول سؤال الانتماء من سؤال بطاقة تعريف إلى سؤال معنى: ماذا يعني أن أكون حاضرًا حقًا؟
وأما في “بنت البلاد” فقد كان الاشتغال على صورة المرأة خارج القوالب الجاهزة، ولم أرد تقديمها كضحية أو كرمز زخرفي داخل الصراع، بل كجذر حقيقي للمعنى، والمرأة هنا ليست رد فعل على سلطة ذكورية، بل فاعلاً يؤسس لمعادلة جديدة، ووحدتها ليست عزلة انكسار، بل عزلة وعي، إذ إنها تقف لا لتطلب اعترافًا، بل لتعيد تعريف شروط الاعتراف ذاته.
و“بنت البلاد” بالنسبة لي ليست فقط حكاية امرأة، بل حكاية وطن يختبر في نسائه، والدفاع عن الحق هنا لا ينفصل عن الدفاع عن الأرض والأصل والذاكرة، ولكن الأصل ليس ماضيًا مغلقًا، بل طاقة كامنة.
والمرأة المغربية كما أراها، هي هذا الجذر الحي القادر على أن يحفظ التوازن بين الوفاء والتحول، وبين الثبات والتجدد، حيث إنها لا تطلب مساحة، بل تصنعها، ولا تنتظر العدالة، بل تتحرك لصياغتها.
وفي “اختياري” يعود السؤال من زاوية أخرى: هل نحن من نختار، أم أننا نختار داخل شروط لا نراها؟ وهذا العمل كان تأملاً في العلاقة بين الإرادة والقدر، وبين الحرية والضرورة، وهو سؤال قديم في الفكر الصوفي والفلسفي معًا، حيث إن الحرية ليست إنكارًا للحتمية، بل وعيًا بشروطها.
وأظن أن الفرق عن تجاربي السابقة هو أنني أصبحت أقل انشغالا بالحكاية في بعدها الخارجي، وأكثر انصاتًا للطبقات الخفية التي تحركها، ولم أعد أبحث عن الصدام الظاهر، بل عن الشرخ الداخلي للشخصيات؛ عن تلك اللحظة التي يسقط فيها القناع، ويظهر الإنسان في هشاشته العارية.
-كيف تديرون علاقتكم بالممثلين وأنتم تجمعون بين الإخراج والتمثيل؟
الجمع بين الإخراج والتمثيل يجعلني أعيش في مستويين من الوعي، وعي يراقب الصورة في كليتها، ووعي ينخرط في التجربة من الداخل، ولكن ما يهمني أكثر من هذا التوازن التقني هو طبيعة العلاقة الإنسانية داخل البلاطو.
وأنا لا أرى موقع التصوير كمجال سلطة أو كمختبر بارد لصناعة مشاهد، بل كفضاء محبة، لأن الفن في جوهره، لا يبنى على الأوامر بل على الثقة، وحين يشعر الممثل أنه محتضن إنسانيًا، يصبح أكثر قدرة على الانكشاف على المخاطرة وعلى الصدق.
والبلاطو بالنسبة لي انتقال من الفرد إلى الجماعة، وكل ممثل يأتي بخبرته وبجرحه بحساسيته الخاصة، لكن لحظة التصوير تذيب هذه الذوات في كيان أكبر، أي كيان العمل، وهنا تتحقق فكرة “الجماعة” لا بوصفها إلغاءً للفرد، بل بوصفها اتساعًا له، والفرد لا يختفي، بل يجد صداه في الآخرين.
وهناك لحظة جميلة في التصوير حين يتحول المشهد إلى طاقة مشتركة، تشعر فيها أن الجميع يتنفس الإيقاع نفسه، وهذه اللحظة لا تصنع بالقوة، بل تولد من الثقة والاحترام المتبادل، وربما لهذا أحرص دائمًا على أن تكون العلاقة أفقية قدر الإمكان، قائمة على الحوار، لا على التلقين.
وإن كان من بعد روحي في الأمر، فهو أن الفن عندي شكل من أشكال المشاركة الوجدانية، وكل واحد يمنح جزءًا من ذاته، ليكتشف أن هذا الجزء يكبر حين يتقاسمه مع الآخرين، وهكذا يتحول العمل الفني من تجربة فردية إلى تجربة جماعية، ومن أداء إلى لقاء.
وفي النهاية، أرى أن أجمل ما في الجمع بين الإخراج والتمثيل ليس التحكم في الصورة، بل الإسهام في خلق هذا الفضاء الحميمي الذي يسمح لكل فرد أن يتجاوز ذاته نحو الجماعة، دون أن يفقد صوته الخاص.
-روايتكم “الحفرة” تحمل عنوانًا مكثفًا دلاليًا، هل تحيل إلى بعد اجتماعي أم نفسي أم وجودي؟
في رواية الحفرة لم تكن الحفرة مجازًا واحدًا، بل طبقات متراكبة من المعنى، وهناك حفرة زمنية، أي ليلة واحدة في مكناس تتحول إلى مختبر للوعي، والزمن الفيزيائي ينضغط، لكن هذا الانضغاط يفتح أفقًا دلاليًا واسعًا، والتكثيف هنا ليس تقليصًا، بل تعرية؛ تعرية للتجربة من زوائدها.
وهناك أيضًا حفرة إدراكية، شخصية سعاد لا تعرف عبر الحدث بقدر ما تتشكل عبر وعيها بالعالم، والمدينة ليست خلفية محايدة، بل جهازًا تأويليًا يعيد صياغة الذات، والزمن هنا لا يقاس بالساعات، بل بقدرته على توليد المعنى.
وثم هناك الحفرة بوصفها خلوة في التجربة الصوفية، والنزول إلى العمق شرط للصعود، ولا يمكن للإنسان أن يرتقي دون أن يواجه ظله، وبهذا المعنى، الحفرة ليست سقوطًا، بل مواجهة، وليست انكسارًا، بل اختبارًا.
وأما تحويل الرواية إلى عمل بصري، فأراه ممكنًا، لكن بشرط أن يكون خلقًا جديدًا، فالرواية تشتغل على الصمت وعلى الداخل وعلى الاقتصاد السردي، في حين الكاميرا إن دخلت هذا العالم، ينبغي أن تدخل بروح التأويل لا بروح النقل الحرفي.
-هل تمنحكم الكتابة الروائية حرية أوسع من الإخراج التلفزيوني والسينمائي؟
الكتابة الروائية تمنحني حرية الغوص في المناطق التي يصعب على الكاميرا بلوغها، وفي الصورة هناك شروط إنتاج وإيقاع جماعي وحسابات زمنية، وأما في الكتابة فأنا في عزلة كاملة أمام البياض، وهذا البياض مرعب لأنه لا يقبل المراوغة.
وفي رداء النسيان كان السؤال منصبًا على الذاكرة الفردية، وعلى ما يتبقى من الإنسان حين يتآكل الزمن، وفي “الحفرة” انتقل السؤال إلى المدينة، وإلى الوجود الاجتماعي، وإلى علاقة الذات بالفضاء الحضري، وهذا الانتقال يعكس تطورًا طبيعيًا في المشروع، من الداخل الفردي إلى الداخل الجماعي، والرواية أكثر وحدة، لكنها أكثر صفاء، إذ إنها مساحة مواجهة مباشرة مع الذات ودون وسيط.
-كيف يتحقق التوازن بين صخب التصوير وهدوء الكتابة؟
أنا لا أبحث عن توازن ساكن، بل عن حركة مستمرة بين الضدين، ومواقع التصوير تعلمني الإصغاء للحياة في فوضاها للوجوه للمصادفات وللارتجال، ولكتابة تعلمني الإصغاء للصمت، لما يتوارى خلف الكلام.
والقلق الإبداعي لا يغادرني، لأنه ليس توترًا عابرًا، بل شرطًا من شروط الخلق، وفي التجربة الصوفية يقال إن السالك يعيش بين القبض والبسط؛ وبين انقباض يدفعه للسؤال، وانبساط يمنحه طمأنينة مؤقتة، والعمل الفني يشبه هذه الحركة، وبعد عرض العمل لا ينتهي القلق، بل يبدأ سؤال جديد: هل اقتربنا فعلا من الحقيقة أم لامسنا ظلها فقط؟
وفي النهاية، أرى أن كل عمل أقوم به، سواءً كان دراميًا أو روائيًا، هو محاولة لتأمل الحفرة الكامنة في داخلنا، لا لردمها بالضرورة، بل للجرأة على النظر إليها دون خوف.



تعليقات الزوار ( 0 )