أثار توقيف الخبير الاقتصادي الجزائري جلول سلامة، في ظروف وصفت بالغامضة، جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما كشف تقرير لموقع “ساحل أنتليجنس” أن العملية تمت بأوامر من أعلى هرم السلطة، متجاوزة بكثير إطار “نقاش تقني” حول مشروع اقتصادي، لتفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة القرار السياسي في الجزائر وحدود النقاش المسموح به.
وبحسب المصدر ذاته، فإن توقيف سلامة من طرف مصالح خاصة تابعة للدرك الجزائري، تم بأمر مباشر من بوعلام بوعلام، مدير ديوان الرئيس عبد المجيد تبون، وهو ما اعتبره متابعون رسالة واضحة مفادها أن بعض “مشاريع الدولة” لا يجوز تحليلها أو مساءلتها، حتى من زاوية اقتصادية محضة.
وتقدم السلطات الجزائرية منجم الحديد بغار اجبيلات، الواقع بولاية تندوف، باعتباره “مشروع القرن” ورمز السيادة الاقتصادية وبوابة بعث صناعي جديد.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن هذا الخطاب يظل واجهة سياسية تخفي رهانات استراتيجية تتجاوز الاقتصاد، خاصة في سياق التوتر الإقليمي المرتبط بقضية الصحراء.
ويشير التقرير إلى أن إطلاق مشروع صناعي ضخم في منطقة حساسة مثل تندوف لا يعني فقط استغلال ثروة معدنية، بل يكرس حضورا دولاتيا مكثفا، ويستدعي بنى تحتية ثقيلة، وقد يفتح الباب أمام عسكرة المجال تحت غطاء التنمية.
جلول سلامة، وهو دكتور في الاقتصاد ومتخصص في الهندسة المالية، ليس فاعلا سياسيا ولا معارضا معروفا. غير أن ظهوره الإعلامي على قناة “الحياة” الجزائرية، حيث قدم قراءة تقنية هادئة لمشروع غارا جبيلات، كان كفيلا بإثارة حفيظة دوائر القرار.
وأوضح الخبير أن طبيعة خام الحديد بالمنجم معقدة كيميائيا، وأن موقعه الجغرافي المعزول يفتقر للبنيات التحتية الأساسية، كما أن الاستثمارات المطلوبة في السكك الحديدية والطاقة والصناعة ضخمة جدا، ما يجعل تحقيق أي مردودية اقتصادية أمرا مستبعدا قبل عقود، وربما بعد سنة 2050، وحتى ذلك يبقى مشروطا بظروف مثالية.
هذه المقاربة التقنية، بحسب المنصة، نزعت عن المشروع هالته الرمزية، وأعادت وضعه في ميزان الحسابات الاقتصادية الصرفة، وهو ما أربك السردية الرسمية التي تقدم غارا جبيلات كمشروع سيادي ناجز.
ويذهب التقرير إلى أن منجم غارا جبيلات قد يكون، في نظر بعض دوائر الحكم، أداة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى خلق توترات إقليمية، خصوصا مع المغرب، في محاولة لعرقلة أو تشويش المسار الدولي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء، التي تحظى باعتراف متزايد من قوى دولية وازنة.
كما يذكر المصدر بالخلفية التاريخية للمنطقة، مشيرا إلى أن تندوف كانت ضمن المجال المغربي تاريخيا قبل إنشاء الدولة الجزائرية سنة 1962، وأن ملف غارا جبيلات سبق أن عرف محاولة شراكة مغاربية سنة 1972، حين وقّع المغرب والجزائر اتفاقا لاستغلال مشترك للمنجم، قبل أن يطوى الملف في خضم التوترات السياسية.
ويرى أن قضية جلول سلامة تكشف عن حساسية شديدة تجاه أي نقاش عقلاني قد يفضح الفجوة بين الخطاب الرسمي والوقائع الاقتصادية، وتطرح تساؤلات جدية حول هامش حرية الخبراء داخل الجزائر، وحدود النقاش العمومي عندما يتعلق الأمر بملفات ذات طابع استراتيجي.



تعليقات الزوار ( 0 )