شهدت العاصمة الجزائرية تحولا دبلوماسيا لافتا خلال الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر بدعوة من الرئيس عبد المجيد تبون، حيث تعد هذه الزيارة الأولى من نوعها منذ الأزمة الدبلوماسية الحادة التي عصفت بعلاقات البلدين عام 2022 إثر تغيير مدريد موقفها من ملف الصحراء المغربية، لتفتح بذلك صفحة جديدة ترتكز على المصالح الاقتصادية المشتركة وإعادة صياغة التوازنات السياسية في المنطقة.
وفي خطوة استوقفت المراقبين، شهد التصريح الإعلامي المشترك عقب المباحثات الثنائية تغيرا جوهريا في نبرة الخطاب الرسمي الجزائري تجاه قضية الصحراء؛ ولأول مرة منذ عقود، تجنب الرئيس تبون استخدام المصطلحات التقليدية مثل “حق تقرير المصير” أو “الاستقلال”، واكتفى بالإشارة إلى التوافق على دعم الجهود الأممية لإيجاد حلول سلمية وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وخلا التصريح من أي انتقاد للموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، بالرغم من تمسك مدريد بهذا الموقف واستمرار شراكتها الاستراتيجية مع الرباط، مما يعكس رغبة الطرفين في تجاوز الخلافات السياسية لصالح البرغماتية الاقتصادية.
واحتل ملف الطاقة والاستثمار الصدارة المطلقة في المحادثات، خاصة وأن الجزائر استعادت مكانتها كالمورد الأول للغاز الطبيعي لإسبانيا عبر خط أنابيب “ميدغاز”.
وتجسد هذا البعد الاقتصادي من خلال الوفد الرفيع المرافق لسانشيز، والذي ضم كبار مسؤولي قطاع الطاقة الإسباني وممثلي شركات عملاقة مثل “ناتورجي” و”ريبسول” و”إيناغاز”، حيث تم الاتفاق على تعزيز الاستثمارات المشتركة في مجالات الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، ومراجعة عقود الغاز طويلة الأمد الممتدة حتى عام 2030، بالتزامن مع انعقاد منتدى الأعمال المشترك لإعادة تنشيط التبادل التجاري.
وتتجاوز هذه اللقاءات الرسمية مربع التهدئة الاقتصادية لتمهد الطريق نحو إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين عام 2002، والتي جمدتها الجزائر إبان الأزمة.
واتفق الجانبان على استئناف عمل اللجان المشتركة والتحضير للدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى المقرر عقده في أكتوبر المقبل، مما يعيد العلاقات المؤسسية والسياسية إلى مجراها الطبيعي بشكل تدريجي.




تعليقات الزوار ( 0 )