كان المغرب وما زال دار فقه وفروع، ولم يكن دار حديث وأثر، وعرف المغاربة الفقه وفق المذهب المالكي في الغالب، ومرنوا على التقليد ودانوا به، وعضوا عليه أحيانا بالنواجذ لدرجة التعصب، بل حارب كثير من فقهائه الاجتهادَ ونبذَ التقليد.
هذه السمة الغالبة في الدرس الفقهي المغربي الممتد عبر الزمن قد نجد لها ما يسوغها في فترات تاريخية معينة، لأسباب عدة، منها عدم وجود مصنفات المذاهب الفقهية بأيدي غالب فقهاء المغرب، وعدم انفتاح فقهاء المغرب على الحديث (وهو مادة أساسية في مخبر الاجتهاد)، وعكوفهم على سرد الأقوال المالكية وعلوم الآلة مثل النحو والبلاغة. لكننا لا نجد للتقليد مسوغا أو موجبا في عصرنا الحالي لعدة أسباب، منها توفر المعلومة وتدفقها بغزارة، ووفرة المصنفات الفقهية الخاصة بالمذاهب الأخرى أو الخاصة بالفقه المقارن ورقيا وإلكترونيا، والقدرة على استحضار متون السنة بطرق البحث المتعددة إنْ على مستوى الفهرسة أو على مستوى المصنفات الحديثية التي انتشرت بما لا مثيل له في السابق طباعة وتحقيقا، إضافة إلى توافرها بالصيغ الإلكترونية.
ورغم هذه المستجدات والمتغيرات، بقي العقل الفقهي المغربي سلفيا/ماضويا لا يكاد يتخلص من إرث المتقدمين، وكأن عصرَنا هو عصرُهم وزماننا هو زمانهم، وكأننا أمام اعتقال العقل الفقهي المغربي وعدم الجرأة على إخراجه من عقاله المكبِّلة لقدراته، لذا لا نتردد في وصف الواقع الفقهي المغربي بالأزمة.
وقبل إيراد نماذج دالة على هذه الأزمة من الحقلين الرسمي والأكاديمي، نشير إلى أن ما ذكرناه أعلاه ليس عاما بإطلاق، وإنما أوردناه بقيد التغليب، وذلك لما عرفه الدرس الفقهي المغربي من حالات استثنائية ألقت عن جيدها قلادة التقليد، واقتحمت عقبة الاجتهاد، وأثمرت بحوثا ودراسات فقهية متميزة، خصوصا عندنا نحن المعاصرين، حيث نجد شخصيات ذات أثر عالمي وبُعد تجديدي في المشرق قبل المغرب، مثل علال الفاسي وأحمد بن الصديق الغماري وأشقائه عبد الله وعبد الحي وعبد العزيز وأحمد الريسوني وغيرهم.
أما الغالب فهو الركون إلى التقليد وعدم القدرة أو عدم الجرأة على الاجتهاد، حتى إذا عنَّ لأحدهم الكتابة في الشأن الفقهي تجده يتهيب الاجتهاد وكأنه معصية من المعاصي، ونسي أن النبي صلى الله عليه وسلم شجع على الاجتهاد وحض عليه وجعل للمجتهد وإن أخطأ أجرا وثوابا.
وهذا الركون إلى التقليد علّم العقل الفقهي المغربي نوعا من الكسل وعدم القدرة على الصناعة الفقهية الحقيقية التي يمكنها إبداع فقه متحرر من آصار الماضي، وفي أحسن الأحوال، إن حاول أحدهم التحرر تجده مضطرب الكتابة غير قادر على الصناعة الفقهية السليمة المنسجمة بين المدخلات (الأصول) والمخرجات (الفقه). وسنورد نموذجين لذلك من الدرس الفقهي الرسمي والدرس الفقهي الأكاديمي.
أولا: نموذج الدرس الفقهي الرسمي
لم يعرف المغرب مأسسة الحقل الفقهي في جانبه المتعلق بالفتوى إلا متأخرا، فكان الملك الحسن الثاني يستفتي في قضايا ونوازل فقهاء بأعيانهم كعلال الفاسي أو الرحالي الفاروقي رحمهما الله أو غيرهما، ولم تكن للفتوى مؤسسة خاصة بها، ثم تطور الأمر إلى برامج إفتائية في التلفزة والإذاعة، أشهرها برنامج ركن المفتي، وبعد دستور 2011 عرف الحقل الرسمي لجنة للفتوى مؤطرة بقانون ومندرجة تحت لواء المجلس العلمي الأعلى، وقد مارست مهامها على المستويين الرسمي والشعبي، ولها فتاوى عديدة منشورة، ولعل آخرها فتوى الزكاة.
بالنسبة لفتاوى هذه اللجنة لا تكاد تفارق التوصيف الذي أشرنا إليه أعلاه، وهو الارتهان إلى الماضي وتكرار أقواله، ويكفي أن نمثل لهذا بمثالين اثنين:
المثال الأول: فتوى حول حكم إمامة المرأة في الصلاة.
أصدر المجلس العلمي الأعلى فتوى مؤرخة ب 26 ماي 2006 حول إمامة المرأة في الصلاة، أفتى فيها بالمنع وعدم الجواز، وكانت الفتوى وفية لمنهج التقليد وتكبيل العقول، حيث تمترست خلف المتقدمين، فصدّرها أصحابها بأقوال الفقهاء: ابن أبي زيد القيرواني وابن عبد البر والمازري وخليل بن إسحاق والدردير.
وإذا كان الفقهاء المذكورون قد أفتوا في سياقات معينة بالمنع المطلق، فإن سياق 2006 مختلف تماما، وكان بإمكان أعضاء لجنة الفتوى أن ترجع إلى الأدلة كما هو مقرر في علم الأصول، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها، ولم يتقرر في أصول الفقه أن الفقه يبنى على أقوال المتقدمين.
وهذا التمترس هو عين التقليد والتهيب من الاجتهاد ورفض الأجر والأجرين في حالتي صواب الاجتهاد أو الوقوع في الخطأ، مما يدل على أزمة الدرس الفقهي المغربي التي ندندن حولها.
ولما أراد أعضاء لجنة الفتوى الارتقاء في صناعتهم الفقهية، والاستدلال لرأيهم المانع، قالوا بعد سرد أقوال الفقهاء المتقدمين: “وما ذهب إليه المالكية من القول بعدم جواز إمامة المرأة يتأسس على اعتمادهم عمل أهل المدينة أصلا لتقوية أخبار الآحاد”.
وهذا فيه تدليس على المستفتي، والأصل في المفتي أن يكون أمينا، وبيان ذلك من وجوه:
الأول: حين نرجع إلى نصوص المالكية في شروح المرشد المعين أو شروح الرسالة أو غيرهما لا نجد فقهاء المالكية يؤسسون حكمهم المانع هذا على عمل أهل المدينة، فكيف اخترعت اللجنة هذا الدليل؟
الثاني: اجتهد الدكتور محمد علوي مالكي رحمه الله في تتبع قضايا عمل أهل المدينة في كتابه “فضل الموطأ”، وأحصاها واحدا واحدا، وبلغ بها أكثر من مائتي مسألة، ولم يذكر فيها ولا منها مسألة إمامة المرأة.
الثالث: المالكية أنواع، منهم فقهاء علماء بلغوا رتبة الاجتهاد والمناقشة والتحرير، وفقهاء مقلدون دون تعصب، وفقهاء متعصبون، ومن شأن المتعصبين ركوب الصعب والذلول لنصرة أقوال المذهب، ومن أمارات هؤلاء أنهم إن لم يجدوا دليلا لقولٍ معتمد عندهم اخترعوا له دليلا وهميا، وقد يكون عمل أهل المدينة، وهذا ما قام به بعض المالكية في قضية إرسال اليدين في الصلاة التي يتعصب لها البعض حد الجنون، قال العلامة الحجوي الثعالبي: “جاء بعض المتأخرين مستدلا بأن عبد الله الكامل سدل [يديه]، ورام أن يجعله عملا مدنيا، وهيهات هيهات، وهذا سلاح استعمله متأخرو المالكية مهما لم يجدوا في الحديث مطعنا، ادعوا العمل، ولا ينبغي ذلك لهم في دين الله”، وما قاله الحجوي الثعالبي ينطبق على ما قام به مفتو المجلس العلمي الأعلى.
الرابع: ما قاله الإمام مالك في منع إمامة المرأة مخالف تمام المخالفة للحديث، وحين يجد المقلدة المتعصبة أقوال الإمام مخالفة للحديث يظنون أنه لم يخالف الحديث إلا بناء على عمل أهل المدينة المقدم على خبر الآحاد، وهذا القول يقولونه استرواحا، قال الحجوي الخبير بالمالكية وبمتأخريهم: “مجرد مخالفة مالك في المدونة أو غيرها للحديث لا دليل فيه على العمل أصلا، بل هي دعوى”.
الخامس: للإمام مالك قول بمنع إمامة المرأة، وله قول يجيز ذلك رواه عنه ابن أيمن، وهو الموافق للسنة، فلماذا لم تعتمده اللجنة في فتواها؟ وما هو المقرر في أصول الفقه: الحجة في قول الإمام أم الحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم؟
ومما يزيد الفتوى غرابة قول اللجنة: “لم يثبت في تاريخ المغرب ولا عند علمائه أن أمّت امرأة الصلاة في المسجد لا بالرجال ولا بالنساء، في أي وقت من الأوقات، وهذا ما دأب عليه أهل هذا البلد الأمين وجرى به عملهم في مختلف العهود”. ولست أدري ما موقع هذا الكلام في سياق الحجية والاستدلال، وهل عدم فعل المغربيات ــ إن صح ــ لهذا العمل يرتقي إلى درجة الحجية؟
المثال الثاني: التسمية بالبراق
توصلت لجنة الفتوى بسؤال من أحد الخواص يودّ تسمية حريسة فلاحية لتربية الخيول بـ”حريسة البراق”، فأفتته اللجنة يوم 25 مارس 2009 بالمنع وعدم الجواز، وأسست فتواها على الآتي:
الدليل الأول: سد الذريعة، بناء على الرمزية الدينية للبراق في معجزة الإسراء، واتقاء للشبهة واحتراما للمقدسات عند المسلمين.
الدليل الثاني: يتمثل في التمترس خلف المتقدمين، والفرق بين الركون إليهم هنا والركون إليهم في فتوى إمامة المرأة، أن اللجنة هناك استدلت بأقوال المتقدمين فيما قالوه، أما هنا فإنها استدلت بما لم يقولوه، لذا نقرأ في الفتوى الدليل الأقوى الذي أوردته قبل دليل سد الذريعة، قول المفتين: “لم يثبت في تاريخ الإسلام وفتوحاته الدعوية الهادية من عهد الصحابة فمن بعدهم مثل هذا الإطلاق: [كتيبة البراق] على كتيبة من كتائب الفتح والنصر، ولا على مركوبها من الخيل والإبل، ولو من باب التبرك والتفاؤل، ولو كان ذلك جائزا لأطلقوه على فتح من فتوحات الإسلام، أو ملحمة من ملاحمه التاريخية العظيمة”.
ولست أدري هل يقبل عاقل هذا الاستدلال؟ وأليست هذه الفتوى دليلا على أزمة العقل الفقهي المغربي المعاصر؟ وهب أن المتقدمين أكتعين لم يلتفتوا إلى هذه التسمية، فهل يدل هذا على المنع وعدم الجواز؟ وفي أي منظومة أصولية نجد تأصيلا لهذه الصنعة؟ أم أنه الخوف والتهيب من الجديد؟
ومما يلاحظ في هذا المقام، أن الملك وهو رئيس المجلس العلمي الأعلى، قام بعد سنوات بعكس هذه الفتوى، حيث أطلق اسم “البراق” سنة 2018 على القطار فائق السرعة، وهنا نتساءل، لو أن مستفتيا آخر طرح على اللجنة ذاتها نازلة مماثلة الآن، فهل ستفتيه بالمنع بناء على أدلتها السابقة؟ أم أنها ستفتيه بالجواز بناء على صنيع الملك واستئناسا بمبدأ تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال؟
ثانيا: نموذج الدرس الفقهي الأكاديمي
تحتضن الجامعات المغربية غير قليل من الأساتذة المتخصصين في الفقه الإسلامي وأصوله، إلا أن المتتبع لأحوالهم يجد شحا في إصداراتهم ودراساتهم الأكاديمية والعلمية، حيث نجد نفرا مهما ليس له من الإصدارات شيء على الإطلاق، ومنهم من يُدَرّس في الجامعة دروسا هيأها في نهاية التسعينيات، وما زال يكررها على مسامع طلبته محفوظة مكرورة عنده، نقول هذا تقريرا لا مبالغة أو تهويلا.
ولبعض الأساتذة إصدارات ومشاركات، هي في المجمل قليلة جدا مقارنة مع إصدارات دكاترة القانون الخاص مثلا.
وإذا تجاوزنا هذه القلة الكمية وتركناها جانبا، فإن كثيرا من أساتذة الفقه بالجامعات كانوا على موعد مع دراسة بعض القضايا الفقهية لمناسبات مرت منها الأمة المغربية، منها الاشتراك في الأضحية بدل إنهاك الاقتصاد باستيرادها بالعملة الصعبة، ومناقشة قضايا الإجهاض (بعيدا عن منهج قال فلان وقال فلان)، ومناقشة قضايا الإرث والزواج والطلاق إبان مناقشة قضايا المدونة، حيث لم نجد أبحاثا رصينة ومؤصلة حول توريث ذوي الأرحام مثلا، وهو أمر منصوص عليه في الشرع ومنصوص عليه في المذاهب الأخرى وغير مقبول في المذهب المالكي، فلماذا لا نجتهد وننفتح على الأدلة الشرعية القاضية بتوريثهم مع ما في ذلك من المنفعة والمصلحة للمجتمع؟، والأمر ذاته بالنسبة لاعتماد البصمة الوراثية في إثبات النسب، [هنا أفتح قوسا للتنويه بلجنة الإفتاء في المجلس العلمي الأعلى التي أفتت بجواز اعتماد البصمة الوراثية في إثبات النسب وذلك بتاريخ 4 فبراير 2010 في رأيها الفقهي حول مشروع قانون أعدته وزارة الصحة]، وكذلك بالنسبة لتزويج الصغيرة، حيث وجدنا منشورات تحمل كثيرا من العنتريات وقليلا من العلم في مناقشة هذه القضية، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حال دون زواج بنته السيدة فاطمة عليها السلام من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بعد أن خطباها منه بقوله: إنها صغيرة، فأليس الصغر مانعا من موانع الزواج؟ ولماذا يعارض بعض “الأكاديميين” من يعارض تزويج الصغيرة؟
هذا الفقر في الصناعة الفقهية التأصيلية للقضايا المجتمعية المعاصرة ينم عن أزمة في العقل الفقهي الأكاديمي، وهو ما يظهر أحيانا في بعض النوازل الفقهية التي تناقَش في وسائل الإعلام، مثل قضية التدخين التي أثيرت في أيامنا الأخيرة.
قبل أيام، أصدر الأستاذ الحسين مفراح فتوى حول التدخين قرر من خلالها حكم الإباحة، وهي الفتوى التي أصدر نظيرا لها منذ سنوات خلت، فكانت سببا لمناقشة صاخبة في وسائل الإعلام، اقتحم عقبتها كثير من العوام والوعاظ والشيوخ، ولم يتردد في الانخراط فيها بعض الأكاديميين المتخصصين في الفقه، ومنهم الدكتور عبد المنعم التمسماني أستاذ الفقه الإسلامي بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان. فكيف كانت مقاربته للموضوع؟
أصدر الأستاذ عبد المنعم التمسماني مقالا في موقع إطلالة بريس بعنوان “تعقيب على فتوى حكم الدخان المثيرة للجدل”، وقد توزع المقال إلى أجزاء:
الأول مقدمة توجيهية تمهيدية حول صنعة الفتوى وضرورة التأني في إصدارها وضرورة تغيرها بسبب تطور المعارف، وقد غطّت هذه المقدمة خُمسَ المقال.
الجزء الثاني خصصه لحكاية الخلاف في التبغ بين الإباحة والكراهة والتحريم في المذاهب الأربعة مع العزو إلى المصادر، وتميز هذا الجزء بالطول حيث غطى خُمسي المقال.
خصص الجزء الثالث، وهو صلب الموضوع في مقاله، للكلام عن السرطانات التي يسببها التدخين، وأنه [ثاني أكبر سبب للوفيات في العالم]، وأن شركات تصنيعه تكتب على علبه “ضار بالصحة”، وأنه مضر بالبدن ومضر بالمال ومضر بالنفس، وهذا الجزء وإن كان صلب الموضوع، فهو أقل من خُمس المقال.
أما الجزء الرابع، فهو عُشر المقال، وهو عبارة عن فقرة افتراضية، حيث ادعى أنه لو طال العمر بالفقيه الأجهوري إلى عصرنا لقال بالحرمة بناء على الضرر الذي أشار إليه سابقا، مع تعزيزه بآيات قرآنية مثل: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”.
والجزء الأخير هو خاتمة المقال، بيّن فيها الحكم ملخصا، وهو حرمة تناول التدخين وحرمة تصنيعه وحرمة بيعه.
وأول ما يلاحظ على هذا المقال الصادر عن فقيه أكاديمي، هو الخلل المنهجي البيّن، فبدل أن يركز في مقاله على الاستدلال، لأنه السبيل الوحيد لإنتاج الحكم الفقهي، طفق يسرد على القارئ بإسهاب أقوال المتقدمين واختلافاتهم، وكان يكفيه اختصاره في جملة أو جملتين دالتين، كقولنا: “اختلف فقهاء المذاهب الأربعة قديما في التبغ بين مبيح ومحرم وقائل بالكراهة”، خصوصا أن هذا الأمر صار من مكرور الكلام المعروف عند المهتمين، وعموما، فإدراجه في المقال وتطويله به لا يفيده في الصنعة الفقهية شيئا.
وثاني الملاحظات على المقال أنه يبتعد عن الصياغة الفقهية الدقيقة، ويتوسل بالخطابة، وهذه آفة كثير من متشرعة العصر، فإنهم تعودوا على الخطابة وتوسلوا بها للإقناع، ومعلوم أن الخطابة والبلاغة قد تفيد في الوعظ وترقيق القلوب، أما الفقه فلا يتوسل إلا بالدليل، ومن الصيغ الخطابية في المقال، نجد العبارات الآتية:
أ ــ اعتبار تحريم التدخين تحريما قطعيا، وقد نبهناه إلى ذلك واعترف بأنه ظني غير قطعي، وصوّب ذلك في المقال المنشور.
ب ــ ادعى في المقال أن التدخين مُضر بالبدن ضررا مؤكدا ويقينيا، ونسب هذا القول إلى الهيئات والمجامع الطبية، وزيادة عبارتي [مؤكدا ويقينيا] هي بهارات خطابية للتأثير على القارئ، وهي من لوازم الخطابة وليستا من لوازم العلم، ولو كان ضرر التدخين على البدن مؤكدا ويقينيا، لكان كل مدخن متضررا بالضرورة، والمدخنون كما تدل على ذلك التجربة والواقع ليسوا سواء، منهم المتضرر ومنهم غير المتضرر، ومنهم من أصابه الضرر بعد الإدمان، ومنهم من لم يصبه ذلك الضرر ولو مع الإدمان، نعم، يحق لنا أن نقول: احتساء السم قاتل قتلا مؤكدا ويقينيا، وهذا كلام علمي وليس خطابيا، لأن كل محتسٍ للسم يموت كما دلت على ذلك التجارب والوقائع.
ج ــ تحدث الأستاذ التمسماني عن أضرار التدخين، وذكر أنه مُضرٌّ بالبدن وبالمال وبالنفس، وبدل أن يقنع القارئ بهذا التقسيم المخترَع، لجأ إلى بهارات الخطابة كعادته، وذكر أن إضراره بالنفس يظهر “بسبب الاعتياد عليه حيث يصير المبتلى ضعيف الإرادة”، ولست أدري مقصوده بـ”ضعيف الإرادة”، وما هي الدراسات العلمية المعززة لكلامه؟ مع العلم أننا نرى كثيرا ممن أدمنوا على التدخين سنين عددا لهم همة ونشاط في أعمالهم الفلاحية والتجارية وفي الصيد البحري وغيرها من المهن، ومنهم من يجتهد في العبادة وقراءة القرآن، ومنهم نوابغ ومتقدمون في العلوم سواء كانوا أطباء أو فيزيائيين أو بيولوجيين … وليسوا ضعيفي الإرادة كما ادعى الأستاذ التمسماني.
د ــ في سياق الحديث عن المتقدمين القائلين بالإباحة لو طال بهم الزمان وعاشوا في عصرنا لقالوا بالحرمة، ذكر الأستاذ عبد المنعم التمسماني أن اتفاقهم على الحرمة لازم بناء على “أن الأصل في المهالك والمضار الحرمة والمنع على الإطلاق”، ولست أدري مفهوم عبارته [على الإطلاق]؟ أليس في المسألة تفصيلا؟ هل كل المضار/الضرر يترتب عليه التحريم؟ أم أنها مجرد بهارات خطابية لإقناع القارئ؟
قال العز بن عبد السلام مفصلا ومبينا ومدققا: أسباب الضرر أقسام:
أحدها ما لا يختلف مسببه عنه، إلا أن يقع معجزة لنبي أو كرامة لولي، (مثل شرب السموم)، وهذا لا يجوز الإقدام عليه في حالي الاختيار والإكراه.
القسم الثاني: ما يغلب ترتُّبُ مسببه عليه وقد ينفك عنه نادرا، وهذا لا يجوز الإقدام عليه، لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في كثير من الأحوال.
القسم الثالث: ما لا يترتب مسببه إلا نادرا، فلا يحرم الإقدام عليه لغلبة السلامة من أذاه.
وهذا التقسيم الثلاثي من فيلسوف الفقه وحكيم الإسلام العز بن عبد السلام ينقض دعوى الدكتور التمسماني في تحريم الضرر [على الإطلاق].
أما ثالث الملاحظات حول مقال الأستاذ التمسماني، فنخصها للحديث عن استدلاله على التحريم، وهو الذي اعتبره في موضع آخر استدلالا قويا يصعب القول بخلافه، فما هي أدلة التحريم عنده؟
بمطالعة مقال الأستاذ نجده يستند على دليل واحد ووحيد، وهو دعوى الضرر، وفصّل في الضرر استنادا إلى تقارير منظمات صحية تشير إلى أن التدخين يسبب أنواعا من السرطانات، وأنه سبب في عدد من الوفيات، وأن ضرر التدخين متعدي للغير، وأن الضرر ليس منحصرا في الضرر البدني فحسب، بل يتعداه إلى الضرر المالي والضرر النفسي، واستدل لحرمة الضرر بأربعة نصوص شرعية هي: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” و”ولا تقتلوا أنفسكم” و”لا ضرر ولا ضرار” و”ولا تبذر تبذيرا”.
وعموما، فدليله الوحيد هو الضرر، ولما أثبت الضرر استدل لحرمته، فهل يصمد هذا الدليل لإثبات التحريم؟
أولا: لم يوفق الأستاذ في سوق الأدلة على قاعدة تحريم الضرر، ومن ذلك استدلاله بآية: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، وهي آية مرتبطة بما قبلها، وكل ذلك في سياق الجهاد، قال ابن تيمية: “هذه الآيات كلها في الأمر بالجهاد في سبيل الله وإنفاق المال في سبيل الله”. وعلى فرض بترها عن سياقها وإبقائها على عمومها، فالتهلكة من الهلاك، وهو الموت المحقق، ومنه “إن امرؤ هلك” و”وما يهلكنا إلا الدهر”، إلخ، والمدخن لا يقوم بعمل يترتب عليه موت محقق كما في شرب السم مثلا، لذا كان الاستدلال بها شاردا، ومثلها آية: “ولا تقتلوا أنفسكم”.
ثانيا: معتمد الأستاذ في الضرر هو التقارير الطبية الصادرة عن المجامع والهيئات الصحية، وغالب الظن أن الأستاذ لم يقرأ دراسة طبية واحدة، بله أن يبني حكمه على أربع دراسات أو أكثر، ولو اطلع على تلك الدراسات لأحال عليها وبيّن مظانها كما فعل في سرد اختلافات الفقهاء المتقدمين في حكم التبغ.
ثالثا: هناك مسألة لا يتفطن لها كثير من الباحثين، وهي التفرقة والتمييز بين الدراسة العلمية والدراسة الإحصائية، فالدراسة العلمية هي دراسة علمية تكتشف المعرفة وتنبني على الملاحظة والتجربة والتفكير المنطقي المنظم، كقول الطبيب: احتساء السم يقتل، فهذا حكم علمي أساسه التجربة والملاحظة، ولا ينفك القتل عن السم المحتسى إلا إن كان أمرا خارقا للعادة. أما الدراسة الإحصائية، فأقصى ما تقدم للباحثين هو جمع البيانات ومحاولة تفسيرها بناء على الاحتمالات.
وما اعتمده الأستاذ التمسماني كغيره من الباحثين في هذا الموضوع ليست دراسات علمية، وإنما هي دراسات إحصائية يصعب بناء الأحكام الفقهية عليها (خصوصا الوجوب والحرمة) لعدة اعتبارات، منها:
الاعتبار الأول: الدراسة الإحصائية هي بالضرورة دراسة متغيرة بتغير العينة الخاضعة للإحصاء، ولذلك يقال: دليل الاستنباط أقوى من دليل الاستقراء، والاستقراء دون عينة الإحصاء.
الاعتبار الثاني: هناك دراسات إحصائية متعددة حول ربط التدخين ببعض السرطانات، تعطي كل واحدة من تلك الدراسات نِسبا مختلفة عن الأخرى، وهي الدراسات التي يعتمدها المعاصرون (ومنهم الأستاذ التمسماني) في إثبات ضرر التدخين، وبالتالي القول بحرمته، ونحن نستعمل نفس دليلهم ونقول: هناك دراسات إحصائية متعددة تقول بأن مدمني التدخين هم أقل عرضة للإصابة بمرض الباركنسون الخطير (ينظر مقالات متعددة حول الموضوع منها مقال بعنوان “قد يكون الأشخاص المدخنون أقل عرضة للإصابة بمرض باركنسون” المنشور بتاريخ 20 نوفمبر 2018 في موقع parkinsons.org.uk)، وبناء على منهحهم، يحق لنا أن نثبت منافع التدخين وبالتالي القول بإباحته. والأمران غير صويبين.
الاعتبار الثالث: كثير من الدراسات الإحصائية تتضمن أرقاما غريبة وتقديرية وتهويلية أحيانا، فبالعودة إلى موقع منظمة الصحة العالمية في صيغته العربية (who.int) نجد تقريرا حول التبغ منشورا بتاريخ 25 يونيو 2025، يتضمن ما أسماها حقائق أساسية حول التبغ، منها:
** يتسبب التبغ في وفاة ما يصل إلى نصف متعاطيه.
** يبلغ عدد متعاطي التبغ في العالم مليار وثلاثمائة مليون شخص.
** يتسبب التبغ في وفاة أكثر من سبعة ملايين شخص كل سنة.
يصعب الجمع بين هذه الحقائق الثلاثة المقدَّمة في التقرير، فإذا كان نصف المتعاطين يموتون بسبب التبغ، فهذا يعني وفاة 650 مليون شخص، والتقرير يحصر المتوفين في 7 ملايين فقط، وبعض التقارير الصادرة عن نفس المنظمة تقول خمسة ملايين.
وبالابتعاد عن التقارير الصادرة حول الموضوع، فإن الواقع خير ناطق، فالتدخين يفشو في المجتمع وينتشر، ومتعاطوه بالملايين، وإحصاء مرضى سرطان الحنجرة والرئة والبنكرياس في المغرب ومقارنتهم بعدد المدخنين (تدخينا فعليا وسلبيا) يعطينا نسبة مائوية قليلة جدا، وإذا اعتمدنا التقرير المشار إليه أعلاه، فإن الوفيات من التدخين الفعلي والسلبي 7 ملايين من أصل مليار وثلاثمائة شخص، يعنى أن الوفيات (جزء منها توافق مع التدخين وليس بالضرورة مسبب له) أقل من %1، وهذا ما يجعلنا نكرر ما قاله الحكيم العز بن عبد السلام في القسم الثالث من الضرر: “ما لا يترتب مسببه إلا نادرا، فلا يحرم الإقدام عليه لغلبة السلامة من أذيته”، والتدخين ــ بدون تهويل ــ من هذه البابة.
وهناك عادات وممارسات أخرى تنص تقارير المنظمات الصحية على ربطها بالسرطان والوفاة كحبوب منع الحمل وأثرها في الإصابة بالسرطان، وتعاطي السكر الصناعي، ورغم ذلك لا يقول الفقهاء بحرمتها.
ولنبين أن القائلين بتحريم التدخين بإطلاق ــ ومنهم الأستاذ التمسماني ــ خضعوا للتهويل الواقع حول الموضوع، وأنهم جعلوا الواقع يقود الفقه وليس الفقه هو الذي يقود الواقع، نفترض الآتي:
تناول السكَّر مباح، ولو أن الناس بناء على حكم الإباحة كانوا يستعملون السكر كتعاملهم مع التدخين، حيث يتناول الفرد عشرين قرصا من السكر أو أكثر في اليوم طيلة سنوات وعقود كما يفعل المدخنون مع التدخين، ألم يكن الفقهاء ليخضعوا للواقع ويقولوا بتحريم السكر للضرر المتحقق كما يقولون اليوم عن التدخين؟ ألا توجد اليوم ــ وبدون إدمان ــ تقارير تتحدث عن أضرار السكر؟ فما بالك لو كان الناس يدمنونه كإدمانهم على التدخين؟
وخلاصة القول، ففتوى الأستاذ التمسماني ــ وهو أكاديمي مغربي ــ تضمنت خللا منهجيا أولا، وابتعدت عن الصناعة الفقهية واتخذت الخطابة وسيلةً للإقناع ثانيا، وهذا معيب في الدراسة الفقهية، ثم لم تستند في الاستدلال إلا إلى الضرر ثالثا، ولم تحرر الضرر مفهوما ولا أقساما رابعا، واستدلت له بنصوص شرعية لا تفي بالمراد خامسا، واعتمدت على دراسات إحصائية ظنا منه أنها دراسات علمية سادسا، وهذه الملاحظات على فتوى قصيرة ومتحكم فيها تدل على أزمة الدرس الفقهي كما أشرنا إليه سابقا.
وقبل الختم، نشير إلى أن التدخين في الأصل مباح، وقد يصير مكروها أو حراما لعارضٍ، وأنه ليس حراما لذاته، وهناك من يدخن عددا قليلا من السجائر في اليوم، وهناك من لا يعرفه أبناؤه وذووه أنه من المدخنين، وهناك من يمتنع عنه في شهر رمضان بالمرة، وهناك من يدخن أياما ولا يدخن أخرى، فمن الصعب جدا القول بالحرمة في حق هؤلاء، أما المدمنون المبالغون فقد ينقلهم الإسراف إلى حكم الكراهة أو الحرمة، ويصعب القول بالحرمة الذاتية.
وعموما، فالدرس الفقهي المغربي في حاجة ماسة إلى ثورة فقهية نقارب من خلالها كثيرا من المواضيع دراسةً فقهية علمية تفصل بين الصناعة الفقهية والتمترس وراء المتقدمين، وتربط الفقه بالدليل، وتبتعد عن الإنشاء والخطابة، وما ذلك إلا بالرجوع إلى أصول الفقه ودراسته دراسة علمية عملية، وليس دراسة نظرية لا أثر لها على مستوى الفقه.





تعليقات الزوار ( 0 )