أبرز الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، أن العلاقة بين العرب وإيران لا يمكن اختزالها في منطق الصراع الدائم، مشيرا إلى أن التاريخ يكشف عن تداخل ثقافي وحضاري عميق بين الجانبين، حيث تعايشت الثقافة العربية والفارسية لقرون في إطار من التفاعل والتبادل.

واعتبر بشاري في لقاء مع جريدة “الشعاع الجديد”، أن الإشكال القائم اليوم مرتبط أساسا بالتحولات التي أعقبت الثورة الإيرانية، والتي غيرت طبيعة هذا التوازن، بعدما كانت العلاقات قبل ذلك تقوم على حضور قوي للمثقفين والفلاسفة والفنانين.
وشدد على أهمية تشجيع التبادل الثقافي بين النخب الفكرية غير المؤدلجة، معتبرا أن الفكر المؤدلج ساهم في تعميق الهوة بدل ردمها، حتى داخل إيران نفسها، حيث برزت خلافات فكرية بين شخصيات بارزة حول قضايا جوهرية مثل ولاية الفقيه.
وأشار إلى وجود أصوات شيعية عربية معتدلة، مؤكدا أن التعميم في الحكم على الشعوب أو المذاهب يظل طرحا غير دقيق، إذ إن التطرف موجود في مختلف المجتمعات.

وبخصوص التوترات الإقليمية، أوضح بشاري أن الحرب الجارية لا تخدم مصالح الأطراف المعنية، واصفا إياها بحرب مفروضة لا ينبغي توسيع دائرتها أو الانخراط في منطق الاستعداء.
وأبدى اعتقاده بإمكانية بروز نخب إيرانية جديدة أكثر انفتاحا على العالم العربي، وقادرة على إعادة بناء جسور الثقة، خاصة في ظل استعداد بعض الدول العربية، لاسيما الخليجية، للانخراط في مسار المصالحة.
وفي معرض حديثه عن ضعف المعرفة المتبادلة، انتقد بشاري غياب مراكز بحث عربية متخصصة في دراسة إيران ومجتمعاتها وسياساتها، معتبرا أن هذا النقص ينعكس سلبا على فهم التحولات الإقليمية.
وأكد على الحاجة إلى مؤسسات علمية قادرة على تفكيك الظواهر السياسية والثقافية بعمق، بدل الاكتفاء بالقراءات السطحية التي تقدمها وسائل الإعلام.
وتوقف بشاري عند إشكالية غياب شخصيات فكرية عربية قادرة على تقديم تحليل موضوعي ومعرفة دقيقة بالقضايا الدولية، مبرزا أن هذا الفراغ يجعل الرأي العام عرضة للتأثيرات الخارجية.
ولفت إلى أن العالم العربي يعاني أيضا من نقص في فهم قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا وإسرائيل، وهو ما يعمق أزمة الرؤية الاستراتيجية.
وفيما يتعلق بالإعلام، أقر بشاري بوجود اختلالات بنيوية في الإعلام العربي، الذي لم ينجح، حسب تعبيره، في بناء نموذج مهني قوي وموضوعي، رغم توفر الإمكانيات البشرية والمادية.
وأشار إلى أن التأثير الرقمي، بما في ذلك ما وصفه بـ”الذباب الإلكتروني”، أصبح يلعب دورا كبيرا في توجيه الرأي العام، مستفيدا من وجود قابلية لدى بعض الفئات لتبني خطاب معين دون تمحيص.
وتطرق بشاري إلى مسألة الاصطفاف الإيديولوجي، موضحا أن بعض التيارات العربية تنطلق من منطق دعم أي طرف يعادي إسرائيل، بغض النظر عن تعقيدات الواقع السياسي، وهو ما اعتبره تبسيطا مخِلاً لا يأخذ بعين الاعتبار المصالح الوطنية والتجارب التاريخية.
وأكد على أن غياب مشروع عربي موحد ومقنع يفسح المجال أمام مشاريع إقليمية بديلة، سواء كانت تركية أو إيرانية أو إسرائيلية، لملء هذا الفراغ.

وفي هذا الإطار، اعتبر أن المنطقة تشهد تنافس ثلاثة مشاريع كبرى: مشروع تركي، وآخر إيراني، وثالث إسرائيلي، في مقابل تراجع المشروع العربي الذي لم يعد يمتلك جاذبية كافية.
وأضاف أن بعض التحالفات التي ظهرت في السنوات الأخيرة تعكس حالة من الارتباك الإيديولوجي، حيث تلاقت تيارات قومية ويسارية مع حركات إسلامية في مواقف سياسية متقاربة رغم اختلاف مرجعياتها.
وعلى الصعيد الداخلي، شدد بشاري، في الحوار، الذي أداره الزميل نورالدين لشهب، على أهمية ترسيخ الولاء الوطني، معتبرا أن القضايا السيادية، وعلى رأسها قضية الصحراء، تمثل معيارا أساسيا لقياس الانتماء.
وأثنى الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، على المواقف الرسمية التي تؤكد ضرورة وضوح الاصطفاف الوطني، معتبراً أن حماية الاستقرار تظل أولوية.
وفي ختام حواره الذي خص به جريدة الشعاع الجديد، دعا بشاري إلى تعزيز النقاش العمومي وتطوير الإعلام العربي ليصبح أكثر مهنية وتعددية، معتبرا أن بناء فهم حقيقي للآخر يمر عبر الاستثمار في البحث العلمي والتواصل الثقافي، بما يتيح للعالم العربي استعادة موقعه في معادلة التوازنات الإقليمية والدولية.
ويُشار إلى أن اللقاء الحواري مع د. محمد بشاري سينشر غدا، على الساعة الثامنة مساء، بالصوت والصورة على جريدة الشعاع الجديد والمنصات التابعة لها.


تعليقات الزوار ( 0 )