تقترب مرحلة مفصلية في تاريخ كرة القدم المغربية مع اقتراب نهاية الولاية الحالية لرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، بعد أكثر من عقد من التحولات التي غيرت ملامح تدبير اللعبة وطنياً، فمنذ سنة 2014 شهدت المنظومة الكروية إصلاحات هيكلية شملت تحديث البنيات التحتية وتطوير التكوين والاحتراف، فضلا عن تعزيز الحضور المغربي داخل دوائر القرار الكروي القاري والدولي.
ويفتح اقتراب موعد الجمع العام الانتخابي الباب أمام مرحلة جديدة تطرح أكثر من سؤال حول مستقبل هذا المسار، وإن كان سينجح الخليفة المرتقب في الحفاظ على وتيرة الإصلاحات التي عرفتها الكرة الوطنية، وعن القدرة على مواكبة التحديات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، وكذا الحد الذي يمكن معه أن يشكل الانتقال القيادي محطة لتعزيز النموذج الكروي المغربي.
-حصيلة التحول
يرى منصف اليازغي، الباحث المتخصص في السياسات الرياضية والقانون الرياضي، أن تقييم المرحلة التي قاد خلالها فوزي لقجع كرة القدم المغربية لا يمكن أن يتم بمعزل عن المقارنة بين وضع المنظومة الكروية قبل سنة 2014 وما آلت إليه بعد ذلك التاريخ.
وأبرز اليازغي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذه المقارنة تكشف حجم التحول الذي شهدته كرة القدم الوطنية خلال العقد الأخير، إلى درجة يمكن معها القول إن ما تحقق خلال هذه الفترة يعادل ما أنجزته عدة قيادات رياضية مجتمعة في مراحل سابقة.
وأكد أن وصول لقجع إلى رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم جاء في سياق استكمال ورش كان قد انطلق قبل ذلك بسنوات قليلة، وتحديدا مع المرحلة التي قادها علي الفاسي الفهري، والتي شهدت إطلاق أولى خطوات الاحتراف في البطولة الوطنية خلال موسم 2011-2012.
وأردف أن المرحلة اللاحقة لم تقتصر على الحفاظ على هذا المسار، بل عملت على تطويره وتثبيته عبر مجموعة من الإجراءات التنظيمية والمؤسساتية التي أعادت صياغة العلاقة بين الجامعة والأندية على أسس أكثر صرامة ووضوحا.
وفي هذا السياق يشير الباحث ذاته، إلى أن أحد أبرز ملامح هذا التحول تمثل في اعتماد دفاتر تحملات صارمة بالنسبة للأندية، وهو ما فرض شروطا جديدة تتعلق بالبنيات التحتية والتسيير المالي والتنظيم الإداري.
ولفت إلى أنه تم العمل على رفع مستوى البنية الاستقبالية داخل الملاعب وتحسين شروط التنظيم، الأمر الذي ساهم في إرساء ملامح احتراف أكثر وضوحا داخل المنظومة الكروية الوطنية.
ومن بين المؤشرات التي يبرزها اليازغي كذلك ارتفاع حجم الدعم المالي الموجه للأندية، حيث بلغ سقف المنحة المخصصة لأندية القسم الأول نحو 600 مليون سنتيم، وهو رقم يعكس في نظره، إرادة واضحة لتعزيز الاستقرار المالي للأندية وتمكينها من تطوير بنيتها التنافسية.
وأضاف الباحث المتخصص في السياسات الرياضية والقانون الرياضي، أنه تم الرفع من عدد المنح والدعم الموجه لمختلف الفرق الوطنية، وهو ما ساهم في تحسين مستوى التنافس داخل البطولة الوطنية.
وشدد على أن هذه الإجراءات، رغم أنها لا تزال قابلة للتطوير والتحسين، ساهمت في وضع كرة القدم المغربية على مسار أكثر تنظيما واحترافية، معتبرا أن الأداء المحلي يسير في الاتجاه الصحيح، وإن كان يحتاج إلى مزيد من الجهود لتعزيز مكتسباته في المستقبل.
-النفوذ القاري
من الجوانب التي يوليها اليازغي أهمية خاصة في تقييم هذه المرحلة مسألة استعادة المغرب لموقعه داخل المؤسسات الكروية القارية والدولية، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، مبرزا أن المغاربة قد يبدو لهم هذا الحضور اليوم أمرا عاديا، غير أن العودة إلى التاريخ تكشف أن المغرب كان غائبا عن مراكز القرار داخل هذه المؤسسة لسنوات طويلة.
وأشار إلى أن المغرب ظل خارج هياكل القرار داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم منذ سنة 1957 إلى غاية سنة 1996، قبل أن يستعيد حضورا محدودا لفترة قصيرة امتدت إلى غاية سنة 2004 بمشاركة سعيد بلخياط، وبعد تلك المرحلة عاد الغياب مرة أخرى، ما جعل حضور المغرب داخل هذا الفضاء القاري ضعيفا لسنوات.
وغير أن الوضع تغير، بحسب اليازغي، مع وصول فوزي لقجع إلى قيادة الجامعة، حيث تمكن المغرب من استعادة موقعه داخل هياكل القرار في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم سنة 2017.
وأكد أن هذه العودة لم تكن شكلية أو رمزية، بل جاءت في سياق حضور فعلي ومؤثر داخل المؤسسة، بما يسمح بحماية مصالح الكرة المغربية والمساهمة في رسم السياسات الكروية على المستوى القاري.
وأضاف أن أهمية هذا الحضور لا تكمن فقط في التمثيل، بل في القدرة على التأثير داخل دوائر القرار، خصوصا فيما يتعلق بالمشاريع الكروية الكبرى في القارة الإفريقية.
ولفت الباحث المتخصص في السياسات الرياضية والقانون الرياضي، إلى أن المغرب ساهم من خلال هذا الحضور، في إطلاق مجموعة من المبادرات الرامية إلى تطوير كرة القدم الإفريقية، سواء على مستوى التكوين أو الحكامة أو البنيات التحتية.
وأبرز أن المغرب أصبح خلال السنوات الأخيرة فاعلا أساسيا داخل المشهد الكروي الإفريقي، وهو ما انعكس على مكانته القارية وعلى قدرته على الدفاع عن مصالحه داخل المؤسسات الكروية الدولية.
-رهانات كبرى
يؤكد اليازغي أن اسم فوزي لقجع ارتبط أيضا بعدد من المشاريع الكبرى التي وضعت المغرب في قلب المشهد الكروي العالمي، وعلى رأسها ملفات تنظيم كأس العالم، حيث كان من بين أبرز الوجوه التي قادت ملف ترشيح المغرب لتنظيم كأس العالم 2026، قبل أن ينتقل المغرب لاحقا إلى مشروع التنظيم المشترك لمونديال 2030.
وأشار إلى أن لقجع يتولى رئاسة لجنة تنظيم مونديال 2030، وهو ما يتطلب بحسب تعبيره، مستوى عاليا من الخبرة في تدبير الملفات الدولية المعقدة، إضافة إلى القدرة على التنسيق بين مختلف المؤسسات الوطنية المعنية بتنظيم هذا الحدث العالمي.
وأردف أن الدور الذي لعبته الجامعة في مواكبة المشاريع الكبرى المتعلقة بالبنيات التحتية الرياضية، حيث شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة إطلاق عدد من الأوراش المرتبطة بتشييد أو تأهيل الملاعب والبنيات الرياضية الكبرى.
ورغم أن هذه المشاريع تتم تحت إشراف الحكومة ومختلف القطاعات الوزارية المعنية، فإن حضور الجامعة ورئيسها ظل بحسب اليازغي، عاملا مؤثرا في تسريع وتيرة الإنجاز وضمان احترام الآجال المحددة.
وأضاف أن ما تحقق على مستوى البنيات التحتية خلال فترة زمنية قصيرة فاجأ العديد من المتابعين، خصوصا فيما يتعلق بسرعة إنجاز بعض الملاعب والمنشآت الرياضية الكبرى، وهو ما يعكس في نظره، مستوى عاليا من التنسيق بين مختلف الفاعلين.
وأوضح أن هذه الأوراش الكبرى تعكس طموح المغرب للتحول إلى قطب كروي دولي، خاصة في ظل الاستعداد لاستضافة تظاهرات كبرى، وفي مقدمتها كأس أمم إفريقيا 2025 ومونديال 2030.
-جدل الاستمرارية
عند الحديث عن مستقبل قيادة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، يطرح اليازغي قراءة مختلفة للنقاش الدائر حول احتمال تعويض فوزي لقجع، معتبرا أن الحديث عن “رئيس جديد” قد يكون سابقا لأوانه.
وأوضح أن لقجع يوجد حاليا في ولايته الثالثة منذ توليه المنصب سنة 2014، وهو ما يثير نقاشا قانونيا مرتبطا بمقتضيات المادة 30 من النظام الأساسي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
وأشار إلى أن هذه المادة تنص على تحديد ولايتين كحد أقصى لرئاسة الجامعات الرياضية، لكنها تتضمن في الوقت نفسه استثناءات تسمح بتمديد هذه المدة في حالات محددة.
وأردف أن من بينها؛ شرط ارتباط استمرار الرئيس بالمصلحة الوطنية، خصوصا إذا كان أداؤه قد ساهم في تحقيق نتائج مهمة ورفع مكانة البلاد في الخارج.
وأما الاستثناء الثاني، وفق اليازغي، فيتعلق بكون الرئيس عضوا في اتحادات أو هيئات رياضية دولية، وهو ما ينسحب أيضا على حالة فوزي لقجع بالنظر إلى حضوره داخل مؤسسات كروية قارية ودولية.
وانطلاقا من هذين المعطيين، يرى الباحث أن الشروط القانونية التي قد تسمح باستمرار لقجع في منصبه تبدو متوفرة، ما يجعل الحديث عن مغادرته أمرا غير محسوم في الوقت الراهن.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتضمن رهانات كبرى، من بينها الاستعداد لتنظيم مونديال 2030 والتحضير للمشاركة في كأس العالم 2026، إضافة إلى احتمالات احتضان تظاهرات كروية أخرى مثل كأس العالم للأندية.
واعتبر أن النقاش حول “خليفة” محتمل قد يكون في جزء منه نِتاجا للنقاشات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر منه مبنيا على معطيات واقعية، خاصة في ظل النتائج التي تحققت خلال السنوات الماضية.
-منظومة مؤسساتية
فيما يتعلق بتأثير أي تغيير محتمل على مسار الجامعة، يعتقد اليازغي أن المنظومة الكروية المغربية أصبحت اليوم قائمة على بنية مؤسساتية قوية نسبيا، ما يجعلها أقل تأثرا بتغير الأشخاص.
وأوضح الباحث المتخصص في السياسات الرياضية والقانون الرياضي، أنه خلال السنوات الأخيرة، تم بناء شبكة من المؤسسات والهياكل التنظيمية التي تؤطر عمل الجامعة وتضمن استمرارية مشاريعها.
وأشار إلى أن هذه المنظومة ساهمت في تحقيق ثورة كروية على مستوى النتائج، سواء بالنسبة للمنتخب الأول أو لبقية المنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها العمرية، إضافة لتعزيز حضور المغرب داخل المنظومة الكروية الدولية من خلال استقطاب مؤسسات كروية عالمية، من بينها المكتب الجهوي للاتحاد الدولي لكرة القدم في إفريقيا.
ويرى اليازغي أن المغرب أصبح اليوم ينظر إليه كمدرسة كروية متفردة داخل القارة الإفريقية، بعد أن تمكن من بناء نموذج خاص به يجمع بين الاستثمار في التكوين والبنيات التحتية والحوكمة الرياضية الحديثة، ولم يعد تابعا لأي توجه كروي خارجي، بل أصبح يقدم نموذجا خاصا يستقطب اهتمام العديد من الدول.
وشدد الباحث على أن التجربة التي عاشتها كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير بناءً على الاستراتيجية والتوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، تعد تجربة إيجابية للغاية، معتبرا أن النتائج المحققة تجعل فكرة تغيير القيادة بالجامعة في هذه المرحلة موضع نقاش.
ولفت إلى أن استمرارية المشروع الكروي المغربي تبقى مرتبطة بمدى القدرة على الحفاظ على الدينامية التي أطلقتها هذه المرحلة، سواء استمرت القيادة الحالية أو انتقلت إلى جيل جديد من المسؤولين.


تعليقات الزوار ( 0 )