في ظل استمرار التوترات الأمنية والعسكرية بين إيران وإسرائيل، تتكشف ملامح حرب خفية لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية المباشرة، تتمثل في تصاعد عمليات التجسس المتبادلة، لا سيما لجوء طهران إلى تجنيد إسرائيليين للعمل لصالح أجهزتها الاستخباراتية، في ظاهرة باتت تقلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشكل متزايد.
ووفق ما كشفه أريئيه إيغوزي، المراسل الأمني لموقع زمان إسرائيل، فإن أجهزة الاستخبارات الإيرانية نجحت خلال السنوات الأخيرة في تجنيد عدد من الإسرائيليين، من بينهم جندي في الخدمة العسكرية النظامية، مشيرا إلى أن ما يُكشف عنه لا يمثل سوى جزء من الصورة، إذ إن العديد من الحالات تبقى خارج دائرة الإعلان الرسمي.
ويرى إيغوزي، في مقاله، أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في اتساعها وطبيعتها المتدرجة، محذرًا من أن التساهل في العقوبات قد يؤدي إلى أضرار جسيمة على الأمن القومي الإسرائيلي، خاصة في ظل تقديرات تشير إلى استعداد إيران لجولة جديدة من المواجهة، قد تشمل استخدام الصواريخ الباليستية.
وبحسب المصدر ذاته، تعتمد الاستخبارات الإيرانية على أساليب حديثة في التجنيد، تقوم أساسًا على التواصل عن بُعد، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، ومواقع “العمل من المنزل”، حيث يتم استدراج المستهدفين بعروض مالية مغرية، أو عبر توظيف دوافع أيديولوجية، وأحيانًا باستخدام الابتزاز.
وأوضح إيغوزي أن هذه الشبكات تُدار من قبل الحرس الثوري الإيراني، وفيلق القدس، وأجهزة الاستخبارات الإيرانية، وتعمل أحيانًا عبر وسطاء وشبكات إجرامية خارج إيران، ما يمنحها مرونة وقدرة على التخفي. وتستخدم في ذلك تطبيقات مثل تيليغرام وواتساب وفيسبوك وإنستغرام، إضافة إلى منصات إعلانات وظائف ذات أجور مرتفعة.
وتستهدف عمليات التجنيد شرائح متنوعة من المجتمع الإسرائيلي، من يهود وعرب، ومهاجرين جدد، وعمال أجانب، بل وحتى شخصيات من عالم الأعمال، ومنظمات حقوقية، وصحفيين، فضلًا عن الاستفادة من الجاليات اليهودية والإسرائيلية في الخارج كقنوات تواصل غير مباشرة.
ويبدأ مسار التجنيد، وفق التحليل الإسرائيلي، بمهام تبدو بسيطة وغير خطيرة، مثل تصوير أماكن عامة، أو منشآت حكومية من الخارج، أو مراقبة مواقع، قبل أن يتم تصعيد مستوى التكليف تدريجيًا ليشمل تتبع أشخاص، وتصوير منازل شخصيات أمنية أو علمية، ووضع أجهزة تتبع أو كاميرات، وصولًا إلى التخريب ومحاولات الاغتيال في بعض الحالات.
وأشار إيغوزي إلى أن المشغلين الإيرانيين يعتمدون أيضا على استغلال الانقسامات الداخلية داخل المجتمع الإسرائيلي، سواء السياسية أو الاجتماعية، لتقديم هذه العمليات على أنها ذات طابع “احتجاجي” أو “سياسي داخلي”، في حين أنها جزء من منظومة استخباراتية متكاملة.
ويؤكد الكاتب أن معظم من يتم استقطابهم لا يملكون خلفية استخباراتية، بل ينتمون إلى فئات تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة، أو تبحث عن المال السريع، أو تعاني من التهميش، مشددا على أن الادعاء بعدم إدراك طبيعة المهام يبقى، وفق تقديره، غير مقنع.
وتعكس هذه المعطيات حجم القلق داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية من اتساع ما بات يُوصف بـ”حرب الجواسيس”، في وقت تشكك فيه التقديرات في قدرة الأجهزة الأمنية على كشف جميع المتورطين، ما يدفع إلى المطالبة بتشديد العقوبات بحق من يتم ضبطهم، باعتبار الردع القضائي أحد الأدوات القليلة المتاحة للحد من هذه الظاهرة.
وتبدو المواجهة بين إيران وإسرائيل آخذة في التمدد خارج ساحات الضربات العسكرية المباشرة، لتتحول إلى صراع استخباراتي طويل النفس، تُستخدم فيه المجتمعات نفسها كساحات معركة، في انتظار ما ستؤول إليه موازين الردع في المرحلة المقبلة.



تعليقات الزوار ( 0 )