يواجه المغرب تحديا بنيويا متفاقما يتعلق بإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية والتعليمية، في ظل معطيات حديثة تكشف أن شريحة واسعة من هذه الفئة تعيش خارج منظومة الشغل والتكوين، ما يثير تساؤلات جدية حول فعالية السياسات العمومية الموجهة للشباب.
فبحسب تقرير مشترك صادر عن المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي، بلغ عدد الشباب المغاربة الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يتابعون أي تكوين (NEET) نحو 2.9 مليون شاب سنة 2023، أي ما يمثل 33.6% من الفئة العمرية بين 15 و29 سنة، بمعنى شاب واحد من كل ثلاثة خارج المنظومة.
ورغم تسجيل تراجع طفيف عقب جائحة كوفيد-19، فإن هذا المؤشر استقر دون تحسن ملموس، ما يعكس، وفق التقرير، أزمة هيكلية وليست ظرفية. ويشمل الوضع حوالي 1.5 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، أي ربع هذه الفئة تقريبًا.
وتكشف المعطيات عن فجوات واضحة، إذ تمثل النساء أكثر من 72% من إجمالي فئة NEET، وغالبا ما يكن خارج سوق العمل لأسباب اجتماعية وأسرية، حيث تصنف نحو 70% من الحالات ضمن “غير النشيطين”.
كما يبرز عامل السن بوضوح، إذ ترتفع احتمالات الوقوع في هذه الوضعية بشكل حاد بعد سن 24، فيما تمثل الفئة بين 25 و29 سنة قرابة نصف الحالات، ما يعكس تعثر الانتقال من التعليم إلى سوق الشغل.
أما من حيث المجال الجغرافي، فتسجل المناطق القروية نسبا أعلى (35.4%) مقارنة بالحضر (32.6%)، في ظل ضعف فرص التشغيل والتكوين والبنيات التحتية.
ويزيد ضعف التأهيل من حدة الأزمة، حيث يفتقر نحو 76% من هؤلاء الشباب لأي شهادة، ما يحد من فرص إدماجهم في سوق العمل.
في المقابل، لا يشكل التعليم العالي ضمانة للاندماج، إذ يواجه الخريجون بطالة طويلة الأمد نتيجة فجوة بين مخرجات التكوين واحتياجات السوق، ما يضعهم في دائرة الانتظار بدل الاندماج.
ورغم إدراج تشغيل الشباب ضمن أولويات النموذج التنموي الجديد، وإطلاق برامج عبر الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، إلى جانب إصلاحات التكوين المهني ودعم ريادة الأعمال، إلا أن وتيرة هذه الجهود لا تواكب حجم الطلب المتزايد.
كما برزت مبادرات حديثة في مجالات الرقمنة ودعم الشركات الناشئة، غير أن تأثيرها لا يزال محدودًا على نطاق واسع.
ويدعو التقرير إلى تبني سياسات موجهة بدل المقاربات الموحدة، مع التمييز بين فئات الشباب غير النشيطين، والعاطلين، والخريجين، بما يضمن تدخلات أكثر دقة وفعالية.
ولم تبقِ هذه الأزمة في نطاق الأرقام فقط، بل تجلت ميدانيًا عبر احتجاجات متفرقة خلال 2024، قادها خريجون معطلون وعمال بعقود مؤقتة، قبل أن تتسع رقعتها سنة 2025، مدفوعة بتعبئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبلغ معدل بطالة الشباب 36.7%، فيما وصل المعدل العام إلى 13.3%، مع تضرر خاص لحاملي الشهادات.
ويحذر التقرير من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وتآكل الثقة في المؤسسات، في ظل شعور متزايد بالإقصاء لدى شريحة واسعة من الشباب.
وتشير المعطيات إلى أن المغرب لا يواجه مجرد أزمة تشغيل مؤقتة، بل اختلالا هيكليا بين التعليم وسوق العمل والواقع الاجتماعي اختلالا يتطلب إصلاحات عميقة وسريعة قبل أن يتحول إلى أزمة أكثر تعقيدا.


تعليقات الزوار ( 0 )