أظهرت نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن 35.8% من النشيطين المشتغلين بالمغرب يتنقلون إلى مقرات عملهم مشيا على الأقدام، مقابل 14.6% يعتمدون على السيارة الخاصة، و12.3% على الدراجات النارية والهوائية، و10% على سيارات الأجرة، فيما لا تتجاوز نسبة مستعملي الحافلات 6%، والترامواي 0.5%، والقطار 0.4%، بينما صرح 6.8% بأنهم لا يحتاجون إلى التنقل نحو أماكن عملهم.
وتسلط هذه المؤشرات الصادرة عن مذكرة المندوبية السامية للتخطيط؛ الضوء على استمرار هيمنة التنقل الفردي وضعف الاعتماد على النقل العمومي المهيكل، بما يثير تساؤلات حول واقع البنيات التحتية للنقل، وانعكاسات أنماط التنقل الحالية على الإنتاجية وسوق الشغل والقدرة الشرائية، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق تنقل مهني أكثر نجاعة وعدالة مجالية.
مؤشر مقلق
يرى أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن الأرقام التي كشف عنها الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تؤكد أن تنقل المغاربة نحو أماكن العمل ما يزال محكوما بمنطق القرب الجغرافي والحلول الفردية أكثر من خضوعه لمنظومة نقل عمومي مهيكلة وقادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وأردف سامي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن بلوغ نسبة المشي إلى العمل حوالي 35.8 %، مقابل اقتصار استعمال الحافلات على 6 % فقط، لا يعكس مجرد اختيار لوسيلة التنقل، وإنما يمثل مؤشرا اقتصاديا يكشف ضعف الترابط بين مناطق السكن ومراكز الشغل، وما يترتب عن ذلك من كلفة خفية تمس الإنتاجية والقدرة الشرائية وجاذبية الاستثمار.
وشدد على أن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن ينطلق من تغيير النظرة إلى النقل المهني، باعتباره بنية إنتاجية أساسية تساهم في خلق الثروة وتحسين الأداء الاقتصادي، وليس مجرد خدمة اجتماعية موجهة لتيسير تنقل المواطنين.
قراءة الأرقام
يبرز سامي أن المعطيات المذكورة؛ تشير إلى أن النقل الذي يوفره المشغل أو المؤسسة يمثل 9.5 %، بينما يبلغ النقل غير المهيكل 2.5 %، في حين صرح 6.8 % من النشيطين المشتغلين بأنهم لا يحتاجون إلى التنقل نحو أماكن العمل.
وبحسب الخبير، فإن هذه المؤشرات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد نسب إحصائية، بل باعتبارها معطيات تكشف طبيعة النموذج الاقتصادي القائم، وكيفية توزيع فرص الشغل، ومدى نجاعة السياسات العمومية في الربط بين السكن والعمل.
دلالات اقتصادية
يعتبر سامي أن أولى الدلالات التي تفرزها هذه الأرقام تتمثل في أن الاقتصاد المغربي يبدو قريبا جغرافيا، لكنه لا يزال يعاني ضعفا على مستوى الإنتاجية. فارتفاع نسبة المشي إلى العمل إلى 35.8 % لا يعني بالضرورة وجود مدن صحية أو نجاحا في تحقيق انتقال بيئي مستدام.
وأضاف أن ذلك؛ يعكس في السياق المغربي أن جزءا مهما من فرص الشغل يوجد بالقرب من أماكن السكن لأنه يرتبط بأنشطة صغيرة أو محلية أو تجارية أو حرفية أو فلاحية، أو لأنه يندرج ضمن القطاع غير المهيكل.
وأردف أن ثاني هذه الدلالات يتمثل في أن النقل العمومي المهيكل لم يتحول بعد إلى العمود الفقري للاقتصاد اليومي، إذ إن اقتصار استعمال الحافلات على 6 %، والترامواي على 0.5 %، والقطار على 0.4 %، يدل على أن شبكات النقل الجماعي لا تزال غير قادرة على مواكبة الخريطة الفعلية للسكن والعمل.
ولفت إلى أنها لا تغطي أيضا بالشكل الكافي المناطق الصناعية والأحياء الطرفية والجماعات شبه الحضرية والقرى المرتبطة بالمدن.
وأبرز أن الاعتماد على سيارات الأجرة بنسبة 10 %، والدراجات بنسبة 12.3 %، والسيارات الخاصة بنسبة 14.6 %، يعكس لجوء المواطنين والمقاولات إلى ابتكار حلول فردية لتعويض النقص الذي تعرفه منظومة النقل العمومي، وهو ما يؤكد أن المبادرات الفردية أصبحت تسد فراغا كان يفترض أن تغطيه السياسات العمومية.
فوارق مجالية
يؤكد سامي أن نتائج الإحصاء تكشف كذلك عن فوارق مجالية واضحة في أنماط التنقل، وهو ما يعكس تفاوتات أعمق في فرص الولوج إلى الشغل والخدمات الأساسية.
وأشار لكون المشي إلى العمل بحسب التقرير يبلغ 42.4 % في الوسط القروي، مقابل 32.7 % في الوسط الحضري، في حين ترتفع نسبة استعمال السيارة الخاصة داخل المدن إلى حوالي 18.8 %، مقابل 5.9 % فقط في العالم القروي.
وأردف أن النقل غير المهيكل، يسجل حضورا أكبر في القرى بنسبة 5.7 %، مقارنة بـ0.9 % في الوسط الحضري، معتبرا الأمر دليلا على أن المغرب لا يواجه فقط إشكالية مرتبطة بالنقل، وإنما يواجه أيضا تحديا يرتبط بتحقيق العدالة في الولوج إلى فرص الشغل، وتقليص الفوارق الترابية التي ما تزال تؤثر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أولويات الإصلاح
يرى أمين سامي أن الإصلاح لم يعد يحتمل المقاربات التقليدية، بل يقتضي إعادة بناء سياسة وطنية للتنقل المهني، ترتكز على مجموعة من الأولويات الاستراتيجية التي تجعل من النقل رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وتتمثل الأولوية الأولى، بحسب المتحدث، في اعتماد خريطة وطنية للتنقل المهني ترتكز على نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، المعروف اختصارا بـ (RGPH 2024)، على مستوى الجماعات والأقاليم، وليس الاقتصار على المدن الكبرى.
وأكد على أن التخطيط لوسائل النقل ينبغي أن ينطلق من المعطيات الواقعية التي أفرزها الإحصاء، حتى تصبح الاستثمارات العمومية أكثر استجابة للحاجيات الفعلية للسكان والاقتصاد.
ولفت إلى أن الأولوية الثانية، تتمثل في جعل النقل نحو مناطق الشغل جزءا أساسيا من شروط الترخيص للمشاريع الاستثمارية.
وأوضح أن أي منطقة صناعية أو لوجستية أو جامعية أو صحية يجب أن تتوفر على “عقد تنقل” واضح يحدد وسائل النقل المعتمدة ومواعيدها، وكيفية الربط بينها وكلفتها، وآليات تمويلها، بما يضمن ولوج العاملين إليها في ظروف مناسبة ويعزز جاذبية هذه المشاريع.
وأردف أن الأولوية الثالثة تقتضي الانتقال من منطق دعم العرض فقط إلى دعم العامل المتنقل نفسه، وذلك عبر توفير اشتراكات شهرية مخفضة، وإحداث بطاقات مهنية خاصة بالنقل، إلى جانب تقديم تحفيزات للمقاولات التي تعتمد النقل الجماعي لفائدة مستخدميها، بما يخفف العبء المالي عن الأجراء ويعزز استقرارهم المهني.
وفي السياق ذاته، يعتبر أن الأولوية الرابعة تتمثل في تطوير شبكة الحافلات، موضحا أن الترامواي والقطار يظلان وسيلتين مهمتين، غير أن الحل الأسرع والأقل كلفة في المرحلة الحالية يكمن في إنشاء شبكة حافلات نظيفة ومنتظمة ورقمية، تكون مرتبطة بالمناطق الصناعية والأحياء الطرفية، بما يضمن تغطية أوسع لمختلف المجالات الترابية.
وذكر أن الأولوية الخامسة، تتجلى في إدماج النقل القروي وشبه الحضري ضمن السياسات الموجهة للتنمية الترابية، لأن القرى لا تحتاج فقط إلى الطرق، وإنما أيضا إلى خدمات نقل منتظمة تؤمن الولوج إلى الأسواق، والمؤسسات التعليمية، والمرافق الصحية، وأماكن العمل، بما يعزز تكافؤ الفرص بين مختلف المجالات.
مؤشر تنموي
يشدد سامي على أن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الخاصة بأنماط التنقل لا تقتصر على تقديم معطيات حول وسائل الانتقال، وإنما تكشف في العمق طبيعة النموذج التنموي القائم، ومدى التكامل بين التخطيط العمراني والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والترابية.
واعتبر أن التنقل أصبح اليوم مؤشرا مركبا يقيس كفاءة الاقتصاد، وعدالة توزيع فرص الشغل، وجودة البنية التحتية، ومستوى الاندماج المجالي، الأمر الذي يجعل من قراءة هذه المعطيات مدخلا لتقييم فعالية السياسات العمومية في تحقيق التنمية المتوازنة.
وأضاف أن الاستثمار في النقل لم يعد يقتصر على إنشاء الطرق أو اقتناء وسائل النقل، بل تحول إلى استثمار مباشر في الإنتاجية، ورأس المال البشري، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي، وجاذبية الاستثمار، مبرزا أن كل دقيقة يتم اختصارها في زمن التنقل، وكل درهم يتم توفيره في كلفته، يتحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مضافة.
رهان المستقبل
يؤكد المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، على أن السنوات المقبلة لن تشهد تنافس الدول فقط بجودة موانئها أو طرقها السيارة، وإنما أيضا بقدرتها على بناء منظومات تنقل ذكية ومندمجة تربط الإنسان بفرص الشغل، والمؤسسات بالأسواق، والمجالات الترابية بمراكز النمو.
ويرى أن الرهان الحقيقي بالنسبة للمغرب لم يعد يتمثل في تحسين وسائل النقل في حد ذاتها، وإنما في إعادة هندسة العلاقة بين السكن والعمل والتنقل والاستثمار داخل رؤية ترابية متكاملة، تجعل من التنقل ركيزة للإنتاج والنمو الاقتصادي، وليس مجرد وسيلة للانتقال من مكان إلى آخر.
ويشدد على أن نجاح المغرب في هذا الورش سيشكل عاملا حاسما في تعزيز تنافسيته الاقتصادية، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين جودة الحياة، بما ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها النقل أحد أهم محركات النمو والاستثمار.



تعليقات الزوار ( 0 )