يشهد مسار العلاقات بين تونس والجزائر تطورا لافتا خلال السنوات الأخيرة، وسط تصاعد انتقادات داخلية تونسية تحذّر من اختلال موازين العلاقة بين البلدين.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، فإن هذا التقارب السياسي والعسكري المتزايد بات يثير مخاوف متنامية لدى أطراف سياسية ومدنية تونسية تتحدث عن احتمال المساس بالسيادة الوطنية في ظل ما وصفه بعض المنتقدين بـ”الاعتماد المتبادل السلطوي”.
ويعكس الخطاب الرسمي بين قيادتي البلدين مستوى مرتفعا من التقارب السياسي. فقد حمل وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف خلال زيارة إلى تونس في يناير 2026 رسالة وصفت العلاقات بأنها شراكة بين “بلدين شقيقين”، في إشارة إلى رغبة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في تعميق التعاون مع نظيره التونسي قيس سعيد.
غير أن هذا الدفء الدبلوماسي لا يحظى بالإجماع داخل تونس، حيث تتزايد الانتقادات خصوصا داخل أوساط المعارضة التي ترى أن التقارب السياسي يتجاوز التعاون التقليدي نحو علاقة غير متكافئة.
أحد أبرز أسباب الجدل، بحسب تقرير “ميدل إيست آي”، هو اتفاق التعاون الدفاعي الذي وُقّع في 7 أكتوبر بعد أشهر من المفاوضات بين رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول السعيد شنقريحة ووزير الدفاع التونسي خالد السهيلي.
المعلومات الرسمية حول الاتفاق بقيت محدودة للغاية، إذ اقتصر الحديث على تعزيز التدريب العسكري وتبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية وتنفيذ تدريبات مشتركة وتعزيز أمن الحدود. إلا أن غياب الشفافية غذّى الشائعات داخل تونس، خاصة بعد تداول وثيقة مسربة قيل إنها نص الاتفاق.
وتضمنت الوثيقة المتداولة بنودا مثيرة للجدل، من بينها السماح لقوات جزائرية بالتدخل داخل الأراضي التونسية لمسافة تصل إلى خمسين كيلومترا في ظروف معينة.
ورغم أن السلطات في البلدين نفت صحة الوثيقة ووصفتها بالمفبركة، فإن الجدل السياسي استمر، خصوصا مع مطالبة منظمات مدنية بنشر نص الاتفاق أو تقديم توضيحات رسمية بشأنه.
منظمات تونسية، بينها لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان، عبّرت عن مخاوف من احتمال تآكل السيادة الوطنية. ويرى سياسيون معارضون أن غياب التواصل الرسمي ساهم في تضخم الشكوك.
ونقل التقرير عن الوزير التونسي السابق محمد عبو قوله إن السياسات الحكومية وغياب الشفافية “فتحا الباب أمام الإشاعات”، مؤكدا أن نشر تفاصيل الاتفاق كان يمكن أن يحد من الجدل القائم.
ويرى الخبير الدفاعي مراد الشابي، وفق المصدر ذاته، أن الاتفاق يمثل في الواقع تحديثا لاتفاقية تعاون تعود إلى سنة 2001، خصوصا في ما يتعلق بمأسسة تبادل المعلومات الاستخباراتية. إلا أن ضعف التواصل الرسمي، بحسبه، خلق بيئة خصبة لانتشار الأخبار الزائفة وردود الفعل الحادة داخل الرأي العام.
التقرير يشير أيضا إلى وجود تفاوت واضح في موازين القوة العسكرية والاقتصادية بين البلدين. فالجزائر تُعد من أقوى الجيوش في إفريقيا، في حين تواجه تونس تحديات اقتصادية عميقة منذ جائحة كوفيد-19، مع تراجع القدرة الشرائية وتزايد الضغوط على الميزانية العامة.
كما سجّل الميزان التجاري بين البلدين عجزا يقارب 1.64 مليار دولار لصالح الجزائر خلال سنة 2025، ما يعمّق الاعتماد الاقتصادي التونسي على الجار الغربي.
ويمتد التقارب بين البلدين إلى ملفات دبلوماسية إقليمية حساسة، إذ برز تقارب واضح في المواقف السياسية، خصوصا في قضية الصحراء، بعدما استقبلت تونس سنة 2022 زعيم جبهة البوليساريو، في خطوة اعتُبرت خروجا عن سياسة الحياد التقليدية التي تبنتها تونس لعقود وأثارت توترا إقليميا.
كما يسلط التقرير الضوء على جانب آخر من العلاقة يتمثل في التعاون الأمني والسياسي، في ظل تضييق متزايد على المعارضة في البلدين.
فقد شهدت الجزائر اعتقالات طالت شخصيات بارزة من حراك 2019، بينما عرفت تونس منذ إجراءات 25 يوليو 2021 توقيفات واسعة طالت سياسيين ونشطاء.
وفي هذا السياق، أثار تسليم المعارض التونسي سيف الدين مخلوف من الجزائر إلى السلطات التونسية انتقادات حقوقية، إذ وصفت منظمة العفو الدولية العملية بأنها انتهاك للقانون الدولي.
ورغم تصاعد الجدل، يؤكد محللون نقل عنهم التقرير أنه لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة على تدخل جزائري مباشر في الشؤون الداخلية التونسية، إلا أن تسارع التقارب السياسي والعسكري، مقرونا باختلال موازين القوة وضعف الشفافية، جعل العلاقة الثنائية محل نقاش واسع داخل تونس.
ويخلص تقرير “ميدل إيست آي” إلى أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة تتجاوز التعاون التقليدي، ما يطرح تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت تمثل شراكة استراتيجية متكافئة أم مسارا قد يعيد تشكيل توازنات السلطة في المغرب العربي.





تعليقات الزوار ( 0 )