النظام الجزائري الحالي ينظر إلى العالم كله، بل وإلى الكون بأكمله، بسمواته وأراضيه وجنته وجحيمه، من منظور واحد، وهو منظور معاكسة وكراهة أي شيء مغربي! وعلى أمل العثور على وصفة تلك المصالحة التاريخية بين الدولتين، فإن أول ما يمكن أن يفضي إلى الخروج من دوامة الرفض المتبادل هو البحث عن معابر سياسية وثقافية قد تؤدي إلى الاعتراف المتبادل. وفي هذا الصدد ليس هناك أي عيب في أن يسعى النظام الجزائري إلى استعادة ذات بلده وذاكرتها المغتصبة والمختطفة من قبل الاستعمار لعقود طويلة، من خلال إعادة اكتشاف نفسها في مرآة ثراث المغرب وثقافاته، على أمل أن تحلحل المسألة الجزائرية تجاه المغرب وتجاه إفريقيا ككل! و قد بدأ الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، فعليا هذه العملية، لكنها أجهضت بعده!
هذا الواقع المأزوم لا شك أن له جذور في الماضي، مما يقتضي العودة إلى فترات تاريخية قريبة، لفهم أهم انعكاسات الصراعات الجزائرية الداخلية التاريخية، على تطور رؤيا بناء الدولة في هذا البلد الشقيق، وعلى الموقف تجاه المغرب. لقد صارت المملكة منذ عقود من الزمن، مادة انشغال جزائري داخلي و خارجي، كأحد أهم المواضيع التي تساهم في تأجيل بعض الخلافات الجذرية بين أجنحة النظام.
نبذة عن أهم معالم الصراعات بين التيارات التي ميزت الجزائر منذ فترة التحرير
يقول المؤرخون الجزائريون، الذين كتبوا عن الفترة الممتدة من بداية القرن 20 إلى استقلال الجزائر، وتحديدا منذ ظهور جمعية العلماء، أن هذه المرحلة تميزت بصراعات سياسية بعمق نظري وفكري كبير، طبع مرحلة ما قبل الثورة الجزائرية لسنة 1954، واستمر إلى مرحلة ما بعد الاستقلال.
من أهم ما ميز المرحلة الأولى، هو تلك الخلافات العميقة، داخل تيارات الحركة الوطنية الجزائرية، بين تيارات وصفت بالراديكالية وأخرى بالإصلاحية أو الليبرالية، نشأت وتطورت بشكل لافت لاسيما في الفترة الممتدة من سنة 1900 إلى سنة 1945.
(لمزيد من التوسع في الموضوع، يمكن الاطلاع على كتب مؤرخين جزائريين، من بينهم شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله في سلسلة كتبه: الحركة الوطنية الجزائرية لاسيما الجزء 2 الذي يتناول فيه الفترات من 1900 إلى 1930، و الجزء 3 الذي يتناول فيه الفترة من 1930 إلى 1945، أو كتاب المؤرخ محمد العربي الزبيري: الثورة الجزائرية في عامها الأول. اخترت هذين المؤرخين نظرا للاحترام الأكاديمي الكبير الذي يحضيان به في المنطقة المغاربية، ونظرا للموضوعية التي تميزا بها في كتبهما الغنية جدا، ولكونهما لم يتأثرا في بحوثهما بالخطاب السياسي المعادي للمغرب).
هذه الصراعات التي ميزت هذه الفترة، ساهمت في تجاذبات خطيرة وفي مواقع متناقضة، تواجه بعضها البعض بعنف عسكري واغتيالات أحيانا كثيرة. وقد تكون هذه الصراعات هي من أطرت إلى حد كبير عقلية النظام السياسي الجزائري منذ الاستقلال ولا زالت تؤطره، إلى جانب تأثيرات التواجد العثماني والفرنسي على ذهنية الحاكم الجزائري وتحديد سلوكه تجاه جيرانه في شمال افريقيا.
لذلك، فإنه يمكن أن نفترض، أن كل المواجهات التي نشأت داخل نظام الجزائر، بما في ذلك فترة الحرب الأهلية غير المعلنة، أو ما يسمى إعلاميا بالعشرية السوداء، قد يكون سببها هذا الصراع الداخلي، حول الهوية والذي برز بشكل واضح، منذ بدايات القرن 20، الشيء الذي جعل شظاياه تصيب فلسفة السياسة الخارجية الجزائرية واختياراتها المذهبية، وبالتالي خلفت ارتدادات على كيفية تدبير العلاقات مع المغرب.
مرحلة الولادة المأزومة: تيارات وطنية غير متوافقة حول الهوية الثقافية والسياسية للجزائر
حسب ما أورده المؤرخون الجزائريون، فإن الحركة الوطنية تأسست من ثلاثة تيارات أساسية. تيار إصلاحي ذو مرجعية دينية صرفة، تمثله جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست سنة 1931، بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس وعلماء آخرين، تكونوا فقهيا في مدارس مشرقية سلفية و وهابية، في السعودية ومصر وسوريا، وهي في عمقها مدارس متناقضة إلى حد ما مع المدرسة الفقهية المغربية المالكية والأندلسية في التدين. هي أيضا إحدى أهم عقبات الحوار الديني بين البلدين، في ظل غياب بنية دينية علمية عريقة في الجزائر، تعيد إنتاج قيم التدين الإسلامي، كما هو الشأن من خلال جامعة الزيتونة في تونس والقرويين بالمغرب أو الأزهر في مصر. لقد كانت أهم خطوات الجمعية هي الحرص على الهوية العربية والإسلامية للجزائر، لذلك اشتغلت بشكل واضح وكبير على الجانب الحضاري والتاريخي، من خلال محور التعليم والإصلاح الديني، و أسست لهذا الغرض مدارس لتعليم اللغة العربية وتدريس الثقافة الإسلامية، على أمل إعادة تأسيس إنسان جزائري منفصل عن فرنسا.
إلى جانب هذا التوجه، ظهر تيار راديكالي شعبي أسسه التلمساني الولادة والنشأة، الصوفي الدرقاوي الهوى، مصالي الحاج الذي كان له دور بارز في احتضان الثوار الشباب. يعرف مصالي الحاج بأن والده من أصول تركية، و والدته من أصول أندلسية، وأنه جند في الجيش الفرنسي وشارك في الحرب العالمية الأولى، وتكون أيضا في العمل النقابي في فرنسا وتزوج من فرنسية.
أسس مصالي الحاج عدة تنظيمات سياسية جزائرية، أهمها نجم شمال إفريقيا، ثم حزب الشعب الجزائري، فحركة الانتصار للحريات الديمقراطية 1946، التي احتضنت أهم كوادر الثورة الجزائرية، والتي ستكون فيما بعد حلبة الصراعات السياسية بين أجنحة متعددة المشارب الفكرية. عرف حزبه هذا التفافا جماهيريا كبيرا، نظرا لاستهدافه فئة العمال والطبقات الشعبية البسيطة، مستعملا خطاب ا مباشرا وبسيطا، متأثرا بالحركة الشيوعية العمالية والنقابية خلال إقامته في فرنسا.
وأخيرا التيار الثالث الذي يوصف بأنه إصلاحي تدرجي ليبرالي بورجوازي، جسده الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بقيادة فرحات عباس، الذي سيكون أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة (GPRA) من 1958 إلى 1961. جمع حوله في هذا التيار، طبقة مثقفة متوسطة، و المتعلمين من محامين وأطباء وبورجوازية متوسطة. لذلك كان نضاله إصلاحي، تميز بمطالب المساواة وإلغاء التمييز العنصري، وبالحريات والديمقراطية، وبحكم ذاتي داخل نظام الدولة الفرنسية وغيرها من المطالب المعتدلة، التي لم تكن جذرية كالمطالبة بالاستقلال التام عن فرنسا، وصيانة الهوية الثقافية والدينية الشعب الجزائري.
وقد كان لافتا أن يسمي الثوار الجزائريون أنفسهم بالمجاهدين مع اندلاع الثورة، في صيغة حاولت التوفيق بين مرجعيات أقطاب الحركة الوطنية، بين أفكار تقدمية ثورية وبين مفاهيم الإسلام، وبذكاء فطن إلى الدور الديني الفعال، الذي تمثلته جمعية العلماء في المخيال الشعبي الجزائري، التي ساهم بعض روادها في اعتبار ثورة 1954 جهادا دينيا قبل كل شيء، وأن كل الذين قضوا فيها شهداء بالمعنى الديني.
من خلال هذه الصورة، يبرز حجم التناقض والصراع، الذي فرق وأضعف الحركة الوطنية الجزائرية إلى حد ما، والذي أثر على مفهوم وشكل الدولة بعد الاستقلال، خصوصا مع تراكم القمع في إطار نظام الحزب الوحيد. عدم التوافق الفكري هذا، أدى فيما بعد، إلى انتفاضة خريف 1988، في سياق دولي أنذر بقرب سقوط خيارات المعسكر الشرقي الشيوعي. هذه الانتفاضة شكلت هي أيضا تعبيرا عن رفض خيارات حكام الاستقلال، وبمثابة المفتاح، الذي أعاد فتح باب صراعات نشأت منذ ما قبل الثورة الجزائرية.
انفجار الصراعات الداخلية قبيل بداية الثورة واستمرارها إلى ما بعد الاستقلال
انقسم الفرقاء، داخل الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية إلى ثلاث مواقع، سيكون لها تأثير واضح على توجهات الدولة إلى ما بعد الاستقلال. فكان هناك المصاليون الذين ظلوا إلى جانب مصالي الحاج، والمركزيون الذين انتقدوا استبداد مصالي الحاج، لاسميا بعدما عين نفسه رئيسا مدى الحياة. و كان ضمنهم عبد الحميد مهري الذي سيتولى قيادة الحزب الوحيد فيما بعد: جبهة التحرير الوطني FLN، والذي كان له دور مهم بعد انتفاضة 1988 التي أدت إلى التعددية ثم في قيادة الحزب أمام جبهة الإنقاذ الاسلامي بداية التسعينيات. الكتلة الثالثة ضمت الشباب الثوريون الذين أسسوا المنظمة السرية، ثم بنوا المجلس الوطني للثورة الجزائرية ثم جبهة التحرير الوطني. يعزى إلى هذه الكتلة الثالثة كتابة ونشر بيان ثورة فاتح نونبر 1954. من أهم روادها: مصطفى بن بولعيد، ديدوش مراد الذي تكون في الكشفية الإسلامية التابعة لجمعية العلماء، محمد بوضياف الذي سيتم اغتياله بعد سنوات من الثورة، وكأنها تصفية حسابات قديمة، أحمد بن بلة الذي سينقلب عليه الهواري بومدين الذي لم يكن من مؤسسي الجبهة وكان هو أيضا أحد تلاميذ الكشفية الإسلامية، حسين ايت أحمد، كريم بلقاسم الذي سيتم اغتياله سنة 1970 في ألمانيا ونسبت العملية إعلاميا إلى أجهزة أمنية جزائرية في عهد بومدين. هؤلاء المؤسسون، تعرضوا للاضطهاد في عهد بومدين وحوكموا، ومنهم من سجن ومنهم من اختار المنفى.
بخصوص إعلان الثورة الجزائرية، يقول المؤرخ محمد العربي الزبيري في كتابه المذكور أعلاه، أن جميعة العلماء انقسمت إلى قسمين. طرف ثوري بقيادة الشيخ العربي التبسي الذي دعا للجهاد والالتحاق بجبهة التحرير، في مقابل طرف معتدل متأثر بالإصلاح المتدرج لفرحات عباس، الذي اتهم بأنه تفاوض سرا مع المندوب الفرنسي جاك سوستيل من أجل الحصول على إصلاحات جزئية.
غير أن بعض المؤسسين مثل الشيخ البشير الإبراهيمي، أعلن تأييده الفوري للثورة من القاهرة، بينما بقيت القيادة الداخلية مترددة. فحدثت خلافات كبيرة وعميقة بين علماء الجمعية، أثرت على مسار الموقف من دولة الاستقلال فيما بعد.
بعد ذلك مع مطلع الستينيات، امتد صراع أجنحة الحركة الوطنية إلى عنف متبادل. من بين ما وصفت هذه المواجهات، بأنها صراع بين تيار وجدة العسكري المسلح، الذي يضم بن بلة و بومدين، و الذي انتصر على تيار يوسف بن خذة أو تيار القبائل أو تيار تيزي وزو، بعد مواجهات دموية عنيفة. وهناك من وصف هذه المواجهات التي سبقتها، بالحرب الأهلية الخفية، حيث عرفت عدة تصفيات واغتيالات، وصراع أجنحة. تفاقم كل ذلك مع دخول الجنود الجزائريين الفارين من الثكنات العسكرية الفرنسية نحو مساندة الثوار، والذي لازال يشكل لغزا لدى العديد من الباحثين. كان من بين هؤلاء الفارين، خالد نزار الذي سيصبح قائد الجيش قبيل العشرية السوداء، والشخصية المحورية التي أوقفت المسار الديمقراطي بعد فوز الإسلاميين في الانتخابات التشريعية يناير 1992. إلى جانبه كان هناك محمد العماري قائد الجيش خلال العشرية السوداء. هذين الشخصيتين العسكريين اللتين جاءتا من التكوين العسكري الفرنسي، إلى جانب باقي الضباط الفارين، هم من شكل نواة الجيش الوطني الشعبي وبنى عقيدته العسكرية، بعدما استقطبهم هواري بومدين بعد الاستقلال، وهم من شكلوا محور العداء للمغرب، بعدما فرض العسكر ثقافة “السلاح يحسم كل شيء”!
ارتدادات صراع أجنحة الحركة الوطنية خلال الثورة: هوية سياسية واقتصادية و دينية ملتبسة ساهمت في ظهور حركة إسلامية متشددة
كان الرئيس الراحل التقدمي أحمد بن بلة ضد جمعية العلماء، خلافا لهواري بومدين الذي تكون في كنفها في فترة شبابع. قام بحلها عندما ترأس الجزائر المحررة، غير أن الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي كان معترفا بجميلها و متأثرا بها، عندما تولى زمام الحكم، أبان عن ميولات نحو الجمعية، من خلال اتخاذ عدة قرارات ذات طابع ديني كبناء المساجد، والتي لم تصل إلى حد اتخاذ قرار السماح للجمعية بالعودة إلى نشاطها، لاسيما بعد تبنيه معتقدات وتوجهات المد اليساري العربي والتأثر بنظام جمال عبد الناصر في مصر.
بعد بومدين، كانت الدولة الجزائرية تعي أن هناك فراغا قاتلا في التأطير الديني، خصوصا في غياب جمعية العلماء المنحلة. لذلك فإن الرئيس الراحل الشاذلي بنجديد، ولملأ هذا الفراغ، والعزلة الدينية عن المنطقة المغاربية، لم يفكر في فتح قنوات الحوار الديني مع علماء تونس والمغرب ومؤسساتها، بل فضل استقدام عدة دعاة وعلماء كبار من المشرق العربي، مما زاد من حدة التنافر مع البيئة الدينية والفقهية للمنطقة ومع المغرب تحديدا، فقد كان لهؤلاء العلماء المشارقة تأثير قوي على نخب الجزائر، انطلاقا من جامعة قسنطينة تحديدا، فقهيا وحركيا.
هذا السياق الديني المأزوم، ساهم في خلق نوع من الاندفاع الديني لدى شباب الجزائر، نحو نصرة قضايا المسلمين. برز هذا على نحو كبير في توجه عدد كبير من الجزائريين إلى أفغانستان بداية الثمانينات، وهم الذين سيشكلون فيما بعد، نواة لتنظيمات دينية متطرفة.
كان من أبرز العلماء الأزهريين الذين تمت دعوتهم للجزائر، الراحل الشيخ محمد الغزالي، الذي كانت له تجربة في جماعة الإخوان المسلمين، قبل أن ينسحب منها، بسبب خلافات في تصور إدارة الصراع أو العلاقات مع الدولة. وقد مكث في الجزائر مدة ليست بالقصيرة، كون خلالها أجيالا وأطرا كثيرة، ساهمت في ظهور الفكر الإسلامي من جديد في الجزائر، وفي نشأة الحركة الإسلامية وتغذيتها بالشباب والأطر، وعلى رأسها جبهة الإنقاذ الإسلامي بزعامة الراحل عباس مدني وعلي بلحاج.
بعد ذلك لم يكن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعيدا عن هذا التوجه، أي البحث عن الذات الثقافية. سعى بوتفليقة إلى تعزيز الثقافة التقليدية في الفضاء العام. بنى و فتح المساجد ودعم الطرق الصوفية والزوايا، وأطلق دروسا دينية رمضانية شبيهة بالدروس الحسنية في المغرب، وفتح قناة تلفزية للقرآن الكريم، واهتم بالتقاليد العمرانية وغيرها كتعبير ضمني عن البحث عن الذات الثقافية للنظام الجزائري من خلال الذات المغربية.
تميزت مرحلة الاستقلال أيضا بمواجهات مذهبية اقتصادية واجتماعية وسياسية بين الجزائر والمغرب. وهي خلافات ذات عمق ثقافي ايديولوجي سياسي ومعرفي تنموي بين المغرب والجزائر، منذ الحرب الباردة. النظام في الجزائر اختار مخرجات معاكسة لمنابعه وأصوله المتنوعة والمتعددة الأمازيغية والعربية الإسلامية، فتبنى نهجا إشتراكيا ونظام الحزب الوحيد والدولة الراعية، مما شكل مواجهة حقيقية مع التاريخ ومع مكونات الشخصية الجزائرية، الشيء الذي نتج عنه عدم القدرة على مجاراة قوانين المجتمع وبالتالي التوجه نحو الانهيار مع نهاية الثمانينات، مما وسع الهوة بين البلدين الجارين.
في مقابل ذلك، التزم المغرب بخط سيره التاريخي والهوياتي المتنوع، فرسخ بذلك، التعددية الحزبية، وتدرج في إدماج بعض مبادئ الليبرالية الاقتصادية كاقتصاد السوق والتقاول الفردي في المغرب وغيرها.
الخلاصة
قد تكون إحدى أهم نتائج الصراعات السياسية والفكرية داخل الحركة الوطنية الجزائرية ما بعد الاستقلال، هي العجز عن وضع تصور لشكل الدولة ومؤسساتها، وفي تدبير الخلافات داخلها. انعكس ذلك على قيادة البلد، فلم يكمل أي رئيس جزائري، ولايته بسلام أو بشكل طبيعي وعادي. فإما أن يتم اغتياله، أو أن ينقلب عليه العسكر. أول رئيس أحمد بنبلة انقلب عليه بومدين والجيش. ثم هواري بومدين تم اغتياله حسب المقربين منه. الرئيس الذي تلاه، الشاذلي بن جديد تم الانقلاب عليه من قبل الجيش، بعد فوز الحزب جبهة الإنقاذ الإسلامي في أول وآخر انتخابات ديمقراطية مطلع تسعينيات القرن الماضي.
بعده جيء بمحمد بوضياف لرئاسة مجلس الدولة، فتم اغتياله في واضحة النهار، بشكل مريع، بعدما حاول محاربة المافيات داخل الجيش. بعده جاء الجيش بلامين زروال الذي تم الانقلاب عليه هو أيضا، فاضطر إلى تقديم استقالته قبل نهاية ولايته الأولى. الحسين بن حديد أحد الجنرالات الذي شغل منصب مستشار للرئيس زروال، قبل أن يقدم استقالته، بسبب ما وصفه بالضعف في مواجهة صقور المؤسسة العكسرية، وصف انقلاب الجيش على نتائج انتخابات 1992، بأنه لم يكن بسبب ظهور حركات إسلامية متطرفة، وإنما كان توجها فكريا لدى قيادة الجيش، بالاستمرار في ممارسة الوصاية التاريخية على البلاد، وبعدم الثقة في خيارات الشعب.
بعد ذلك، يعرف الجميع مسار ومآل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ويبدو أن الرئيس عبد المجيد تبون، لن يخرج مساره، عن السكة والقاعدة أي الخضوع للعسكر أو العزل أو ربما ما أكثر من العزل، وقد يكون هو أيضا سائر رأسا إلى نفس مصير الرؤساء الذين سبقوه!
* دكتور في علم الاجتماع السياسي من جامعة محمد الخامس بالرباط




تعليقات الزوار ( 0 )