في مشهد بات مألوفًا لدى المتابعين للشأن المغاربي، عادت بعض المنابر الإعلامية الجزائرية إلى توظيف خطاب الإثارة والاتهام، عبر ترويج رواية تزعم قيام الأجهزة الأمنية المغربية بـ”تفويت لوائح مشجعين جزائريين” إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، بهدف منعهم من دخول الولايات المتحدة مستقبلاً.
التقرير المتداول، والذي نُشر بلغة جازمة وكأنه حقيقة ثابتة، لم يقدّم أي وثيقة رسمية، ولا تصريحًا أمريكيًا، ولا حتى مصدرًا مستقلاً يؤكد حصول هذا “التنسيق الأمني” المزعوم.

وكل ما في الأمر هو بناء سردية سياسية اعتمادًا على افتراضات، وتقديمها للرأي العام الجزائري باعتبارها “معطيات مؤكدة”، في خرق واضح لأبجديات العمل الصحافي.
فالتعامل مع أجهزة سيادية مثل الـFBI لا يتم عبر “لوائح مشجعين”، ولا يخضع لمنطق تصفية الحسابات الرياضية أو السياسية، بل تحكمه مساطر قانونية دقيقة واتفاقيات رسمية بين الدول، وهي أمور لا يمكن أن تمر في الخفاء أو تبقى دون أثر دبلوماسي.
والأكثر إثارة في هذا الخطاب هو محاولة تحويل حدث رياضي قاري، يفترض أن يكون مناسبة للتقارب الشعبي، إلى مادة للتخوين وبث الشك.
فبدل التركيز على الجوانب التنظيمية والأمنية الطبيعية لأي تظاهرة كبرى، جرى تصوير المغرب كـ”دولة تتجسس على مشجعين”، في وقت شهدت فيه المنافسات القارية تنظيمًا مشهودًا له بشهادة المنتخبات والجماهير المشاركة.
وهذا التصعيد الإعلامي لا يمكن فصله عن سياق أوسع، يتسم بمحاولات مستمرة لتصدير الأزمة الداخلية الجزائرية نحو الخارج، عبر افتعال خصومات وإشغال الرأي العام بـ”أعداء مفترضين”، بدل طرح أسئلة حقيقية حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل البلاد.
ومن المعروف أن المغرب يرتبط بتعاون أمني واسع مع شركائه الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة، في إطار محاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

وهذا التعاون معلن، ومؤطر باتفاقيات رسمية، ويُشيد به مسؤولون دوليون بشكل متكرر. لكنه تعاون لا يعني، بأي حال، استهداف جماعي لمواطني دولة جارة، ولا توظيف الرياضة كأداة أمنية.
والخلط المتعمد بين التعاون الأمني المشروع، وبين روايات “التجسس على الجماهير”، يكشف ضعف الحجة، ويؤكد أن الهدف سياسي دعائي أكثر منه إخباري.



تعليقات الزوار ( 0 )