مقدمة:
تتحول الانتخابات في بعض السياقات السياسية، من لحظة يُفترض أن تؤسس السلطة من جديد إلى آلية لإعادة إنتاجها في صور مؤسساتية متجددة، فهي تُنظَّم بانتظام وتُفتح فيها فضاءات المنافسة، وتتوالى خلالها الأحزاب والائتلافات والوجوه؛ غير أنها قد لا تمس البنية الفعلية التي تحتكر تعريف القرار السياسي، وترسم حدوده، وتحدد مجالاته الممكنة. عندئذ لا تعود الانتخابات أداة للتداول على السلطة بالمعنى الديمقراطي الصارم، بل تصبح تقنية لإعادة ترتيب مواقع الفاعلين داخل نظام يحتفظ مركزه الحقيقي بموقعه خارج دائرة التنافس.
تعمل التعددية في هذا الأفق بوصفها تعددية مدارة، وليست تعددا متكافئا في المشاريع والقدرة على تقرير المصير الجماعي، تعددية تسمح بالاختلاف داخل حدود مرسومة، وبالصراع داخل سقف مضبوط، وبالتنافس على المواقع من دون أن تتيح بلوغ مصدر السلطة الذي يحدد قواعد التنافس ذاتها. فالمجال السياسي يبدو مفتوحا في الظاهر لكنه يظل في العمق محكوما بحدود لا يملك المتنافسون أنفسهم سلطة تعديلها.
تقترح هذه المقالة استعارة “الميركاتو السياسي” بوصفها مفهوما كاشفا لمنطق إعادة توزيع النخب في الأنظمة الهجينة، ففي سوق الانتقالات تتبدل الفرق والقمصان والوظائف، لكن ملكية اللعبة لا تنتقل بالضرورة، وبالمثل تتغير الواجهات الحزبية، ويُعاد تدوير الأعيان والوسطاء والنخب، وتُستبدل العلامات والتنظيمات، فيما تظل البنية العميقة للسلطة بمنأى عن التداول الانتخابي. ليست القضية إذن في تبدل اللاعبين، بل في استمرار الجهة التي تملك الملعب وتحدد قوانين البطولة وأفق نتائجها.
أولا: من التنافس الديمقراطي إلى التعددية المضبوطة
تفترض الديمقراطية أن تكون الانتخابات لحظة قابلة لإعادة توزيع السلطة، وأن يتمكن الناخب من معاقبة حكومة أو حزب، ومن منح الشرعية لبديل يملك القدرة الفعلية على تغيير السياسات والاختيارات الكبرى. أما في النظام الهجين فإن هذا الإمكان لا يُلغى كليا، لكنه يُقيّد بنيويا.
فالمنافسة موجودة، لكنها لا تجري بين فاعلين متكافئين في القدرة على الوصول إلى الموارد، أو التأثير في القرار، أو احتلال المجال العمومي، والتداول قد يقع في الحكومة أو البرلمان أو المجالس المنتخبة، لكنه لا يمتد بالضرورة إلى مركز السلطة الذي يرسم أفق الممكن والممنوع.
هذه هي المفارقة المركزية للأنظمة الهجينة: إنها لا تحكم رغم الانتخابات، بل تحكم من خلالها أيضا، فالانتخابات تؤدي وظيفة الشرعنة، وامتصاص التوتر، وتفتيت الاحتجاج، وتجديد النخب، وتوزيع الأمل في التغيير؛ لكنها لا تضمن في المقابل أن يصبح المجتمع مصدرا حقيقيا للسلطة.
لا تكون التعددية بهذا المعنى نقيضا للتحكم، بل قد تتحول إلى إحدى صوره الأكثر مرونة: تعددية تسمح بالحركة، لكنها تمنع الانفلات؛ وتسمح بالاختلاف، لكنها تحاصر الاستقلالية؛ وتمنح الفاعلين حق المنافسة، من دون أن تمنحهم حق إعادة تعريف قواعدها.
ثانيا: الحقل السياسي منزوع الاستقلالية
وفقا لمفهوم الحقل عند بيير بورديو، يفترض أن يكون الحقل السياسي فضاء للصراع بين فاعلين يسعون إلى امتلاك الرأسمال السياسي: التمثيل، والشرعية، والقدرة على التحدث باسم الجماعات، واحتلال مواقع القرار.
غير أن الحقل السياسي لا يكون مستقلا إلا حين يستطيع إنتاج قواعده الخاصة، ونخبه الخاصة، وآليات محاسبته الخاصة. أما حين تُفرض قواعده من خارج الفاعلين الحزبيين، وحين تصبح مصادر القوة الأساسية موجودة في فضاءات أخرى، فإنه يتحول إلى حقل هتيرونومي؛ أي حقل محدود الاستقلالية، يخضع لمنطق سلطة أوسع منه.
في هذا الوضع لا يعود الحزب هو المصدر الحقيقي لصعود النخبة، ولا تصبح الانتخابات القناة الوحيدة لاكتساب الشرعية، إذ يمكن للرأسمال السياسي أن يُبنى خارج التنظيم الحزبي: في شبكات النفوذ، والوجاهة الاجتماعية، والقدرة على الوساطة، والموارد الاقتصادية، والقرب من مراكز الإدارة والقرار.
هنا يفقد الحزب وظيفته بوصفه مؤسسة لإنتاج النخب والأفكار، ويتحول تدريجيا إلى وعاء انتخابي: علامة قانونية، ومنصة للترشيح، ووسيلة للولوج إلى المؤسسات، أكثر منه فضاء لصناعة مشروع جماعي مستقل.
ثالثا: الإعارة السياسية وتبديل القميص
تساعد استعارة الإعارة على فهم هذا النمط من الحركة داخل الحقل السياسي، فالإعارة في معناها الرمزي، لا تعني انتقال الفاعل من فضاء إلى آخر فحسب؛ بل تعني انتقاله مع احتفاظه بمصدر قوته الأساسي خارج الفضاء الذي انتقل إليه.
الفاعل السياسي في هذه الحالة، لا يستمد مشروعيته من الحزب الذي ينتمي إليه، ولا يكتسب مكانته بسبب مساره التنظيمي داخله، بل يدخل الحزب حاملا معه رأسمالا متراكما في مكان آخر، الحزب لا يصنعه، بل يحتضنه؛ ولا يمنحه أصل قوته، بل يوفر له قميصا انتخابيا مناسبا للمرحلة.
إنها علاقة معكوسة: في الديمقراطيات الحزبية، تنتج المؤسسة قياداتها؛ أما في الحقول الهجينة، فقد تتحول القيادات ذات النفوذ إلى عناصر تتنقل بين مؤسسات أضعف منها.
تبديل القميص الحزبي، إذن لا يعني بالضرورة تبديل المرجعية الفعلية أو إعادة بناء الولاء السياسي، فقد يتغير الاسم والشعار والخطاب، بينما يظل الرصيد الحاسم – النفوذ والشبكة والوساطة والقرب من الموارد- مستقرا في مكانه، وما يبدو انتقالا حزبيا قد يكون في العمق إعادة توزيع للأدوار داخل البنية نفسها.
رابعا: الحزب حاضنة لا مصدر للسياسة
حين تتراجع الأحزاب عن وظيفة التأطير، وتفقد قدرتها على إنتاج النخب من داخلها، تصبح قابلة لأن تؤدي وظيفة الحاضنة السياسية، فهي تستقبل فاعلين جاهزين، وتوفر لهم شرعية انتخابية، وتضع بين أيديهم علامة تنظيمية، لكن من دون أن تتمكن بالضرورة من إدماجهم في منطقها الداخلي أو إخضاعهم لمساءلة قواعدها.
الحزب في هاته الحالة لا يكون حاملا لمشروع، بقدر ما يكون رحما انتخابيا: فضاء يُمنح فيه الفاعل شكلا حزبيا يسمح له بالظهور في المجال العام، بينما تبقى البصمة السياسية العميقة مرتبطة بمصدر خارجي عن الحزب.
والنتيجة أن ما يُنتَج ليس حزبا قويا بل واجهة قابلة للاستبدال، كلما احتاج النظام إلى تجديد صورته أو تعديل توازناته أو امتصاص توتراته، أمكن إعادة ترتيب الحامل الحزبي وتغيير الوجوه التي تمر عبره، من دون أن يعني ذلك تحولا في منطق الحكم.
بهذا المعنى، لا تصبح الانتخابات منافسة بين برامج متناقضة، بل عملية لتوزيع الأدوار بين نخب تسعى إلى أفضل موقع داخل المنظومة، ويغدو الحزب أقل شبها بمؤسسة للتمثيل، وأكثر شبها بمحطة عبور بين السلطة والمجتمع.
خامسا: اقتصاد التموقع بدل سياسة البرامج
في الحقل الذي يفقد فيه التنافس البرنامجي مركزيته، تظهر دينامية أخرى: اقتصاد التموقع. لا يعود الفاعل السياسي معنيا، في المقام الأول بالدفاع عن تصور متماسك للمجتمع أو الاقتصاد أو الدولة، بل بالتموقع قرب المواقع التي يُتوقع أن تكون نافذة في المرحلة المقبلة.
هنا تنشأ ظاهرة الانتقال الاستباقي للنخب، فكلما بدا أن تنظيما ما يملك فرصة أكبر للتموقع داخل مراكز التأثير، اندفعت نحوه شبكات من الأعيان والمنتخبين والوسطاء والباحثين عن المواقع، لا لأن الحزب أقنعهم فكريا، بل لأنهم يقرأون فيه احتمالا للنفاذ إلى القرار والموارد والحماية الرمزية.
هذا السلوك ليس انتهازية فردية فقط؛ بل إنه نتاج بنية تجعل قرب الفاعل من السلطة أهم من قربه من المجتمع، وحين تصبح السياسة استثمارا في النفوذ، يتحول المنتخب إلى مدير لمصالحه وشبكاته، ويتحول الناخب إلى مورد انتخابي، يُستدعى في موسم الاقتراع، ثم يُعاد تهميشه بعد انتهاء الحاجة إليه.
سادسا: العزوف معرفة عملية بأزمة التمثيل
لا يمكن اختزال العزوف الانتخابي في ضعف الوعي المدني أو في اللامبالاة بالشأن العام، فثمة مواطن يرفض التصويت، لا لأنه يجهل السياسة، بل لأنه يعرف حدودها كما تُمارس فعليا، لأنه مواطن راقب تبدل التحالفات، وانتقال النخب، وتكرار الوعود، واستمرار الاختلالات الاجتماعية، فخلص إلى أن صوته لا يصل إلى مركز القرار.
العزوف بهذا المعنى، قد يكون شكلا من المعرفة العملية ببنية الحقل السياسي، إنه إدراك غير نظري بأن الانتخابات لا تغير دائما ما ينبغي أن يتغير، وأن تعدد القمصان لا يعني تعدد المشاريع، وأن إعادة تدوير النخب ليست هي تجديدا حقيقيا للسياسة.
ولا يعني ذلك أن الامتناع عن التصويت فعل تحرري مكتمل؛ فهو قد يساهم في إضعاف الضغط المجتمعي على المؤسسات، لكنه يكشف على الأقل، عن انهيار الإيهام الديمقراطي: ذلك الاعتقاد الجماعي بأن اللعبة الانتخابية تؤدي بالضرورة إلى أثر ملموس في توزيع السلطة والثروة والاعتراف.
كلمة أخيرة: من تغيير الواجهات إلى تغيير قواعد اللعبة
تكشف استعارة الميركاتو السياسي عن أزمة تتجاوز الأشخاص والأحزاب والانتخابات الدورية، إنها أزمة حقل سياسي لا يملك استقلاليته الكاملة، وأحزاب لا تنتج نخبها بقدر ما تستقبلها، وانتخابات تعيد توزيع المواقع من دون أن تعيد بالضرورة توزيع السلطة.
فالمشكلة ليست في تعدد الفرق، بل في غياب القدرة على تغيير مالك الملعب، وليست في كثرة القمصان، بل في بقاء مصدر القوة واحدا رغم اختلاف الألوان. وليست في عزوف المواطنين وحده، بل في الشروط التي تجعل المشاركة تبدو في أعين كثيرين، مشاركة في لعبة محددة النتائج الكبرى.
إن الانتقال من نظام انتخابي إلى ديمقراطية فعلية لا يمر عبر تجديد الواجهات أو رفع نسبة المشاركة فقط، بل عبر تحرير الحقل السياسي من التبعية، وإعادة بناء الأحزاب بوصفها مؤسسات تمثيلية مستقلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل الانتخابات وسيلة حقيقية لتغيير السياسات ومراكز القرار.
عندها فقط يتوقف الموسم الانتخابي عن كونه ميركاتو لتوزيع اللاعبين، ويبدأ في أن يصبح لحظة يؤسس فيها المجتمع حقه في امتلاك الملعب وقواعد اللعبة معا.
*باحث في علم الاجتماع السياسي.






تعليقات الزوار ( 0 )